د. جيرار ديب
قالت فرنسا، الأربعاء 27 أيار، في بيان لوزارة الخارجية على أن «دورها حاضر في لبنان»، مؤكدة على أنه لن يحدث وقف إطلاق نار حقيقي من دون فرنسا.
هذا، وشدّد باسكال كونفارو، المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، على ضرورة الحفاظ على وقف إطلاق النار الهش. معتبراً، أن احتلال إسرائيل المناطق في جنوب لبنان، يهدّد الاستقرار والسلام ومؤكدا على انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، ونزع سلاح حزب الله.
تعمل الدبلوماسية الفرنسية على تكريس الحضور في الشرق الأوسط، من البوابة اللبنانية. فهي تأبى العودة إلى تجربة عام 1956، أي مشاركتها في العدوان الثلاثي على مصر، عندما استطاعت الدبلوماسية الأميركية من استغلاله، لإبعاد الدور الفرنسي كما البريطاني عن المنطقة. لهذا تجد الماكرونية اليوم أنها باتت مهدّدة كما الأمس في إقصاء دورها عن دول شكّلت على مرّ التاريخ قوة فرنسا العظمى.
يصرّ الفرنسي على وضع مقاربة للملف اللبناني انطلاقاً من مصالح شركاتها التي استحصلت على مناقصات من قبل الحكومة اللبنانية، من شركة توتال العاملة في مجال التنقيب عن النفط، إلى شركة النقل العالمية «سي أم أي سي جي أم» العاملة في إعادة تأهيل مرفأ بيروت بعد الانفجار في 4 آب 2020.
لا نقاش حول حاجة الفرنسي للإمساك بالورقة اللبنانية، وسط نكسات دبلوماسية تحديداً في القارة السمراء، وعجزها عن إرساء مظلة نووية في أوروبا، تكون بديلة عن المظلة الأميركية. فمطالبة الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بتسريع امداد كييف بالصواريخ «باتريوت»، في ظلّ تكثيف الهجمات الروسية واستخدام صواريخ باليستية متطورة، دلالة على إن الضمانة الفرنسية غير موثوق فيها.
«لن يحدث وقف لإطلاق النار»، عبارة تحمل أبعادها من قبل الفرنسي، وتؤكد على تفعيل واضح لدورها في وقف النار، عبر سحب وكالة التفاوض من الأميركي الذي يعمل على حصر الملف في قرار من ترامب مباشرة. هذا ما استفزّ الفرنسي الذي يسعى إلى إعادة دوره الطبيعي، وربما رفع من جديد عبارة «الأم الحنونة» للبنان، مستفيدا من تقاربه مع السلطة اللبنانية ومن تقاطع مصالحه مع حزب الله وراعيه الإيراني.
الفرنسي يدرك أنه ليس الوحيد من يعمل على تكريس الحضور في الملف اللبناني، فالمصادر المطّلعة أكدت على ان الدور السعودي في لبنان مرشح لارتفاع منسوبه بشكل واضح خلال المرحلة المقبلة، على المستويين السياسي أو الاقتصادي، في ظّل التحولات الإقليمية الجارية.
لا شكّ، إن الرياض تتابع الملف اللبناني بدقة وتستعد للانخراط بصورة أكبر في عدد من الاستحقاقات الداخلية. رغم تقارب الدور الفرنسي مع السعودي فيما خصّ طرح صيغة واضحة لإنهاء الحرب والتي تهدف إلى سحب الحصرية من الأميركي والإيراني في الشأن اللبناني. إلّا أنّ السعودي ذهب بعيداً في رؤيته عبر ربط السلام بموضوع حلّ الدولتين، أي التمسّك في بناء الدولة الفلسطينية، هذا المطلب يعقّد عملية التفاوض في حال كان هناك ارتباط لبناني بعمقه العربي، الذي ينتظر منه تمويل إعادة الاعمار.
تأتي زحمة اللاعبين الدوليين في الشأن اللبناني وسط استمرار إسرائيل في توسيع من دائرة الاستهداف والاعتداء على لبنان، ومع إصرار حزب الله في العمل على ربط الملف اللبناني بالمفاوضات الإيرانية - الأميركية في إسلام أباد. هذا ما أكد عليه بيان كتلة المقاومة والتحرير البرلمانية التي عقدت اجتماعها الدوري في 28 أيار، والذي حمل دعوة الى الدولة اللبنانية لفكّ ارتباطها بالمفاوضات المباشرة مع الإسرائيلي في واشنطن، وربطها من محور إيران.
«وقف الحرب»، هي الغاية التي يريدها الأطراف الفاعلة والمؤثرة في الملف اللبناني، إلّا أنّها قد لا تكون صيغة المطلب الإسرائيلي. فأمام الاستعداد الداخل الإسرائيلي إلى إجراء انتخابات برلمانية، وبعدما رفض قضائها إعفاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من ملفاته القضائية، قد يعتمد الإسرائيلي على إطالة أمد الحرب والعدوان إلى حين تتجلّى الصورة الواضحة من أجل الاستثمار في الميدان ما قد يحصده انتخابياً أم حتى قضائياً.