دخلت النقاشات الدائرة حول اقتراح قانون «العفو العام» منعطفاً حاسماً ودراماتيكياً كشف عمق الكباش التشريعي والقانوني المحتدم في البلاد. فبينما طُرح المقترح بدايةً كآلية تقنية طارئة لمعالجة أزمة الاكتظاظ الحاد داخل السجون والمخافر المتهالكة، التي تخطّت نسبة إشغالها حاجز الـ330%، تحوّل الملف إلى اختبار دستوري وإنساني مفصلي يتجاوز الحسابات الضيقة للمقرات الرسمية، ليمسّ جوهر العدالة والمساواة أمام القانون، لا سيما في ملف الموقوفين الإسلاميين الذين يعتبر كثير من المتابعين والجهات الحقوقية أنهم يشكلون أحد أبرز أوجه المظلومية القضائية المستمرة.
وشهد المسار البرلماني لاقتراح القانون تحولاً بارزاً في أروقة ساحة النجمة، حيث نجحت الدبلوماسية التشريعية التي قادها نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب في تفكيك لغم المقاطعة النيابية الشاملة التي لوّحت بها كتل وازنة، في مقدمها القوات اللبنانية وحزب الكتائب اللبنانية والتيار الوطني الحر واللقاء الديمقراطي، احتجاجاً على ما اعتبرته «شبهات محاصصة واستنسابية طائفية». وأفضت المداولات الماراتونية في اللجان النيابية المشتركة، بحضور وزيري الدفاع والداخلية، إلى تجاوز عيب «التفصيل الفئوي»، وبلوغ صيغة تسوية قانونية ترتكز على معايير موضوعية مجردة، تمهيداً لإحالتها إلى الهيئة العامة لمجلس النواب المقررة يوم الخميس المقبل لاتخاذ القرار النهائي بشأنها.
• في عمق المظلومية.. ملف الموقوفين الإسلاميِّين كحالة دراسية في غياب العدالة
لا يمكن قراءة هذا القانون بوصفه «مكرمة سياسية» أو بازار مقايضة طائفية ضيق، بل هو في جوهره محاولة لترميم واحدة من أكبر الثغرات في الجسد القضائي اللبناني، والمتمثلة في ملف الموقوفين الإسلاميين، خصوصاً من أبناء الشمال وبيروت والبقاع. وتتلخص المظلومية التاريخية في هذا الملف، والذي يبلغ عدد الموقوفين الأساسيين فيه حالياً 164 موقوفاً، في ثلاثة مظاهر رئيسية.
أول هذه المظاهر يتمثل في الاعتقال التعسفي المتمادي والتوقيف بلا محاكمة، إذ يقبع عدد كبير من هؤلاء الموقوفين في السجون لفترات تتجاوز 14 عاماً من دون صدور أحكام قضائية مبرمة بحقهم، ما حوّل «التوقيف الاحتياطي» إلى عقوبة مقنّعة تفتقر إلى المشروعية الدستورية وتخرق المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
أما المظهر الثاني، فيتصل بشبح «وثائق الاتصال»
و«بلاغات البحث»، بعدما كشفت التقارير الأمنية والقضائية المرفوعة إلى اللجان عن أرقام ضخمة؛ إذ يوجد نحو 11 ألف وثيقة اتصال أمنية في الشمال، وما يقارب 48 ألف بلاغ بحث وتحرٍّ ومذكرة توقيف في بعلبك ـ الهرمل. وتحولت هذه الوثائق، الصادرة عن أجهزة أمنية من دون غطاء قضائي صريح، إلى عبء يلاحق آلاف الشبان بناءً على تقارير مخبرين أو شبهات غير مثبتة، ويحرمهم من حقوقهم المدنية والاجتماعية.
أما الوجه الثالث للأزمة، فيكمن في خطر انفجار واقع السجون. فقد أكد وزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار أن السجون والمخافر المتهالكة تخطّت نسبة إشغالها حاجز الـ330%، معتبراً أن معالجة المظلومية الناتجة عن استطالة أمد التوقيف أصبحت ضرورة لتفادي انفجار أمني وإنساني داخل أماكن الاحتجاز.
• الهندسة القضائية للتعديلات.. من «المقاصة» إلى «المعايير المجردة»
ولتفكيك عقدة الاستنسابية، اعتمدت اللجان المشتركة صيغة قانونية دقيقة حاولت الموازنة بين التخفيف الإنساني للاكتظاظ والحفاظ على هيبة الدولة والردع العام. وبرزت هذه المقاربة من خلال إعادة صياغة العقوبات الجنائية الكبرى وفق معايير تقنية محددة.
ففي ما يتعلق بعقوبة الإعدام، أُقرّ احتسابها بما يعادل 28 سنة سجنية، في خطوة تشكل مخرجاً قانونياً يمنع التنفيذ الفعلي للإعدام ويضع سقفاً زمنياً واضحاً للمحكومين. وبالتوازي، جرى تعديل عقوبة السجن المؤبد لتُحتسب بما يعادل 18 سنة فقط، ما يمنح المئات فرصة فعلية لاستعادة حياتهم بعد انقضاء المدة المحددة.
أما بالنسبة إلى الموقوفين احتياطياً الذين لم تصدر أحكام بحقهم بعد، فقد نصّت التعديلات على إخلاء سبيل كل من أمضى 14 سنة في التوقيف الاحتياطي، على أن يستكمل محاكمته خارج السجن، في خطوة تهدف إلى وضع حدّ للاعتقال الطويل المفتوح من دون أحكام مبرمة.
كما اعتمدت اللجان مبدأ «إدغام العقوبات»، مع تحديد سقف قانوني لعمليات الجمع لا يتجاوز ربع العقوبة الأشد، بما يحدّ من الأحكام التراكمية الناتجة عن تكرار الجنح البسيطة للشخص نفسه.
وفي ملف جرائم المخدرات، حاول المشرّع تحقيق توازن بين المعالجة الاجتماعية والردع، إذ شمل العفو ملفات التعاطي والترويج غير المنظم، مع استثناء الشبكات المنظمة وعمليات الاتجار الكبرى، بما يهدف إلى حماية صغار المتورطين مع الإبقاء على العقوبات المشددة بحق الرؤوس الأساسية.
• كواليس ربع الساعة الأخير.. هندسة «المقاصة الزمنية» والضغط المالي
خلف الأبواب الموصدة للجلسة الماراتونية التي عقدتها اللجان النيابية المشتركة، برزت معطيات شديدة الحساسية تجاوزت الأبعاد السياسية التقليدية وفرضت إيقاعاً سريعاً على وتيرة التوافق. فقد كشفت وزارة الداخلية والبلديات أرقاماً مالية صادمة أظهرت أن كلفة إطعام وطبابة ورعاية النزلاء، في ظل موجات التضخم الحالية، باتت تستهلك أكثر من 70% من الميزانية الإجمالية المخصصة للخدمات والتجهيزات اللوجستية في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي.
هذا الاستنزاف المالي والتشغيلي حوّل ملف العفو، في ربع الساعة الأخير، من مجرد مناورة برلمانية أو ورقة استقطاب شعبي إلى حاجة مالية وإدارية ملحّة تهدف إلى منع انهيار المنظومة العقابية واللوجستية للدولة.
ومن هنا، وُلدت صيغة «المقاصة الزمنية». إذ اصطدمت الجلسة في ساعاتها الأولى بعقدة المحاصصة الجغرافية والطائفية، حيث شكّل العفو عن «الموقوفين الإسلاميين» مطلباً سنّياً أساسياً، في مقابل مطالب مرتبطة بـ«مطلوبي البقاع» من جهة، وملف «المبعدين» من جهة أخرى. لكن اللجان المشتركة لجأت إلى استبدال المقايضات الفئوية بمعيار زمني موحد يسري على الجميع، من خلال تخفيض العقوبات بنسب ثابتة تُترجم عملياً بسنوات السجن الفعلية، بما يسمح لكل طرف سياسي بتسويق الصيغة أمام جمهوره بوصفها معالجة إنسانية عادلة، من دون السقوط في منطق المقايضة المباشرة.
• التكييف الجنائي والفرز القانوني لملفات المحاكمات الحساسة
يستمد المطلب الحقوقي بشمولية القانون قوته من إسقاطاته المباشرة على الأرض، والتي شهدت فرزاً قانونياً دقيقاً في الأيام الأخيرة، خصوصاً عقب صدور حكم محكمة الجنايات ببراءة الفنان فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير في قضية فرعية تتعلق بمحاولة قتل، لعدم كفاية الدليل.
وفي هذا السياق، حسمت الصياغات القانونية خروج حالة أحمد الأسير كلياً من مفاعيل العفو، نظراً لصدور حكم جنائي مبرم بحقه في الملف الأساسي المتعلق بـأحداث عبرا، والمتصل بتهمة الإرهاب واستهداف الجيش اللبناني.
في المقابل، يعكس نموذج فضل شاكر النقاش القائم حول ضرورة التمييز بين الأعمال الجرمية المباشرة المرتبطة بحمل السلاح، وبين الأدوار غير المباشرة أو الإعلامية، بما يفتح الباب أمام إعادة توصيف بعض الملفات وفق معايير قانونية أكثر دقة.
• معركة الخارطة البرلمانية.. موقف وضاح الصادق والكتل
في البرلمان، تتداخل الحسابات الإنسانية والسيادية بصورة معقدة، وبرز في هذا السياق موقف النائب وضاح الصادق كصوت وازن يخوض حراكاً قانونياً حازماً.
وركّزت مقاربة الصادق على رفض أي صيغة تشريعية تقوم على «المقايضات السياسية أو الصفقات الطائفية» التي تعفي جهة وتستثني أخرى وفق الهوية السياسية أو الطائفية. كما شدد على ضرورة الفصل بين الجرائم المالية واختلاس المال العام وبين الملفات الإنسانية المرتبطة بالموقوفين احتياطياً، مع رفض شمول كبار تجار المخدرات أو المتورطين بدماء الجيش بأي تسوية.
ويتقاطع هذا الحذر مع انقسامات برلمانية حادة عشية جلسة الخميس. فالمكوّن السنّي يرى في القانون مطلباً شعبياً أساسياً لإنهاء ما يعتبره غبناً وتمييزاً، فيما يصبّ الضغط لإقرار بند الـ14 سنة للتوقيف الاحتياطي مباشرة في اتجاه إغلاق ملف الموقوفين الإسلاميين.
أما الثنائي الشيعي، فتدفع حركة أمل باتجاه معالجة ملفات مذكرات التوقيف البسيطة في البقاع، فيما يسهل حزب الله مسار القانون مع وضع خط أحمر على بند «المبعدين إلى إسرائيل»، الذي دخلت عليه بكركي وبشارة الراعي.
في المقابل، تعترض القوات اللبنانية وحزب الكتائب اللبنانية على مبدأ العفو العام باعتباره يضعف هيبة الأحكام القضائية، بينما يربط التيار الوطني الحر موقفه النهائي بمصير بند المبعدين.
• خلاصة واستنتاج قانوني
تُظهر القراءة القانونية لمسار «العفو العام» في لبنان أن المشرّع يقف أمام مسؤولية تاريخية لصياغة قانون يتحرك بروحية العدالة والشمولية ويرفض الانتقائية الفئوية. فحماية المنظومة العقابية لا تعني الإبقاء على سجون تختنق بنسبة إشغال تتجاوز 330%، ولا استمرار توقيف أفراد لسنوات طويلة من دون أحكام مبرمة.
المعادلة الراهنة، عشية جلسة الخميس الحاسمة، تبدو واضحة: إما عفو عام متوازن وشامل يخفف المظلومية ويعيد ضبط التوازن بين العدالة والواقع الإنساني، وإما تشريع انتقائي مشوّه قد يسقط في الهيئة العامة ويفتح الباب أمام مزيد من التوتر والاحتقان داخل السجون وخارجها.