المجلس الدستوري.. والمصداقية الوطنية
حجم الخط
التغيير سمة العصور، يسعى خلفها البشر سعيا للتطور والارتقاء، لهذا يجتهد الإنسان في تشغيل العقل الذي يحدث الانتفاضات المؤدية إلى رفاهية الناس وتسيير سبل عيشهم بالطرق العادلة، التي لا تطوقها الخيانات المستشرية على مساحة الوطن، هذه الخيانات التي جعلت الوطن منفى لمن آمن به، وأخلص له، وأمنه على مصيره ومصير أولاده.
وها نحن اللبنانيين الشرفاء بل المواطنين الصالحين، ما زلنا نسعى إلى تنظيم علاقة الفرد بالمجتمع كل حسب اختصاصه، مع العلم أن الوطن يلفنا بعباءة رمادية الالوان لا تشعرنا بالدفء، بل تطفئ جذوة الحب في داخلنا، لهذا الوطن الذي رعيناه من الموت والعزلة وضعف الذاكرة، وحاولنا مجتمعين وما زلنا نحاول أن ننقذ الشعور بالمواطنة من الاندثار، وأن نزرع جذوة الانتماء للوطن في عقول وضمائر الشعب اللبناني الذي أصبح كطائرة من ورق تتلاعب به الرياح، دون أن يدرك مستقرا آمنا له، يلجأ إليه، حين تحل نكبات الدهور، وتعصف الحاجة بالجيوب، ويتمدد الغش والخداع في النفوس، وتكبر الوعود التي تيبس عباراتها قبل حلول فصل الخريف.
لهذا تراني أتذكر بعض ملامح الزمن الغابر، بعد خروجي سالمة معافاة من معركة الانتخابات النيابية الأخيرة، حين كنا نشكل، كشعب لبناني واحد، وحدة وطنية عز نظيرها، بالرغم من الخصومات السياسية التي لم تهمل يوما قيمنا وتقاليدنا، ولم تفرط بشعار الأخوة، حين تخرج من حوليات الدهور، مظاهر الحماقة والخيانة والتسلط على تواريخ أردناها مزهوة بإبداعات هذا الشعب اللبناني العظيم، الذي تنكب مسارات العصور المتغيرة، مستقطبا منها كل معارج العلوم والمعرفة، فكان لبنان بحق بلد المعرفة والأدب والشعر والفن الراقي والموسيقى المتميزة والصحافة الواقعية. حتى السياسة كانت منطلقا لشراكة تمثل مناطق لبنان بأكملها، دون أي احتكار لفئة على أخرى، أو لطائفة على أخرى، وأفردت للأحزاب العلمانية الوطنية مكانا بين ظهرانيها، بالرغم من عدم الاعتراف بها رسميا، والملاحقات التي كانت تؤدي إلى سجن كل منتسب لحزب يساري، لا يتبع القوانين المرعية الإجراء، ومع هذا كان ينمو بحيث استقطب عقول الشباب في عمر اليفاع، والهدف بناء وطن لا مزرعة يتولى أمرها رجال الإقطاع وعائلات تتسلط على المواقع السياسية، بل الغاية هي بناء وطن واحد موحد لجميع أهله، إنطلاقا من المساواة والعدالة الاجتماعية، وهما من البنود الأساسية في الدستور اللبناني.
لكن أين نحن في هذا الزمن الهارب من العدالة والديموقراطية الحقيقية في ظل أحزاب وتيارات وحركات متطيفة وممذهبة، لا تدرك معنى المواطنة، ولا تهتم بتنشئة الأجيال الجديدة على التمسك بالمواطنة، بل بكل ما يصب في خانة المصالح الذاتية، التي ترسم دوائر تحركاتها الفتنوية القائمة على شرذمة المجتمع اللبناني بمهارة وإتقان. فهذه ثنائية شيعية لا تضم كل الشيعة ولا النخب الشيعية وتدعي تمثيل الشيعة بكمية من المهللين المصفقين والمحتاجين والمتزلفين ، وهذه ثنائية مارونية تتناتش المجتمع المسيحي وتقاسم النفوذ والشاطر من يخرج على الولاء لهما، ساعتئذ مصيره الإهمال والنفي داخل وطنه.. وتلك زعامة سنية احتكرت الطائفة السنية تحت شعار : نحن ولا أحد، بالمال والفتنة المذهبية نشتري اللبناني ونجعله تابعا وكفى المؤمنين شر العتاب والعقاب، أضف الى زعامة درزية تتناتش طائفة، هي قبل كل شيء آخر فئة من الشعب اللبناني لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات كما هو ملحوظ في الدستور اللبناني، اما باقي الطوائف وزعاماتهم في لبنان فحدث ولا حرج.
هذا هو حال لبنان، لهذا قمنا بتحركنا عبر لائحة «بيروت الوطن» كي نعيد المجد للبنان وشعبه الرازح تحت نير الزعامات المتمذهبة طائفيا، إنطلاقا من إيماننا بالدولة والقانون وكل عنصر بشري، رجلا كان ام إمرأة، شابا أو شابة، الذين يملكون الطاقة القادرة على بناء وطن الحرية والعدالة والأمن والآمان والكرامة الوطنية، انطلاقا من بيروت العاصمة، التي منها ننطلق الى حضن الوطن.
كنا مجموعة من الطاقات اللبنانية المبدعة في الوطن، في الحقول المعرفية والفكرية والإعلامية والسياسية والاجتماعية والرياضية والثقافية والادارية، فمنا الإعلامي المشهود له اعتداله وأخلاقياته ومواقفه الوطنية عبر نشاطاته الإعلامية في لبنان والخارج، والسياسي الطبيب المتمكن من أخلاقياته وإيمانه ومساره الوطني، والرياضي الشاب الذي يمثل أمل الشباب بالمستقبل الواعد، والمهندس الذي هندس دروب العطاء مؤمنا بأن النيابة استمرار للخدمة العامة، والناشط الاجتماعي والخدماتي المتخرج من بيت له تاريخه في العطاء والإيمان، إلى الشاب الذي حول علومه لإدارة الأعمال إلى أعمال ناجحة طوقت بيروت بمشاريع عمرانية، إلى المعروفي الطبيب الذي تفاخر بالعقل المنتج المنحاز إلى رفع ضبابية الرؤية عن العقول المغبرة، إلى الوزير ابن البيت العلمي والفقهي العريق، الهادئ المتواضع والوارث من عائلته وعائلة والدته مقولة: كلما ازددت كبرا ازددت تواضعا، إلى السيدة التي دخلت السلك الأمني فأبدعت وحلقت وأثبتت أن النساء قادرات حتى في تولي المهام الرسمية التي كانت حكرا للرجال في لبنان، إلى الشاب الحقوقي الواعد الذي تماشى مع مطالب أبناء جيله من اللبنانيين فنزل مناديا بالتغيير وتحويل الحلم إلى حقيقة، إلى كاتبة هذا المقال التي أمسكت قلمها كما السيف في حومة الميدان فارسة لا تهدأ من الفعل والقول : بإسقاط مفهوم الطائفية السياسية، والاهتمام بالمبدعين والمبدعات من الطاقات اللبنانية المنتشرة في العالم، وبتسليط الضوء على أهل الفكر والثقافة، وأن الوظيفة الرسمية هي خدمة الشعب بكل أطيافه، إيمانا منها بأن الدين لله والوطن للجميع.
لهذا خضنا الانتخابات النيابية في بيروت الثانية، لا طمعا بمنصب، وكلنا أصحاب مناصب في مسارنا الوطني، بل الغاية استكمال الخدمة العامة التي نذرنا، بعد أن شهدنا عملية تحول الوطن إلى مزرعة طوائف وزعماء وأحزاب، بعيدة كل البعد عن طموحات أولادنا وأحفادنا ومستقبلهم الواعد، وتطوعا للمساهمة في مسيرة التغيير التي رسمنا بدايتها من عاصمة الإشعاع والنور.. بيروت.
لكن ما فوجئنا به أن مثقفي بيروت ونخبها وأحرارها الذين يشكلون نسبة 60% تمنعوا عن المشاركة بالتصويت، لعلمهم أن أهل السلطة هم بأكثريتهم من المرشحين، وأن النجاح سيكون حليفهم حتما، علما أن هذا التصور الخاطئ هو من أعادهم إلى مواقع السلطة، ومحا صورة بيروت الحقيقية التي هي أم الشرائع، هذه القوة المتسلطة على العملية الانتخابية، هي التي أدت إلى اللعب بنتائج الانتخابات، خصوصا في دائرة بيروت الثانية، حيث لم تصل أصوات مناصرينا، وما أكثرهم، فالتزوير كان مكشوفا وفاضحا، لهذا لنا ملء الثقة بالمجلس الدستوري الذي نحترم رئيسه والأعضاء الذي سيضع الحق في نصابه، عبر إصلاح ذات البين، من أجل رسم قيامة وطن، يتوجع أبناؤه من الفقر والجوع والمرض والإهمال واللاعدالة والديكتاتورية المنظمة والاقطاع الجديد.
أملنا كبير بالمجلس الدستوري ونزاهة القيمين عليه ومصداقيتهم، من أجل دحض مزاعم كل من شيد للكذب بابا عاليا ظن أننا لن نستطيع اقتحامه.. وسيبقى النضال الوطني في قاموسنا مسيرة مستمرة، ما دامت قلوبنا تنبض بحب الوطن وإعلاء شأوه.
رئيسة ديوان أهل القلم
رئيسة ندوة الإبداع






