بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 حزيران 2026 12:00ص المرور البريء في مضيق هرمز

حجم الخط
د. رشا أبو حيدر

في الشرق الأوسط، لا تُقاس الانتصارات دائماً بعدد الصواريخ، ولا تُكتب الهزائم بالضرورة في بيانات الاستسلام. أحياناً تختبئ التحوّلات الكبرى خلف تعبير قانوني بارد، يبدو عابراً في النصوص الدولية، لكنه قادر على تغيير مصير منطقة كاملة. واليوم، قد يكون «المرور البريء» واحداً من تلك المصطلحات التي تتحوّل من قاعدة بحرية إلى مخرج سياسي لأخطر مواجهة تشهدها المنطقة منذ سنوات.
تبدو الولايات المتحدة أمام معضلة حقيقية. فالإدارة التي رفعت سقف المواجهة مع إيران إلى حدود غير مسبوقة، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً مما توقّعت. لا الحرب الشاملة تبدو ممكنة بلا أثمان كارثية، ولا سياسة الضغوط نجحت في دفع طهران إلى الانكسار. والأسوأ بالنسبة لواشنطن أن العالم لم يعد كما كان؛ فزمن الهيمنة المطلقة يتآكل ببطء، فيما تتقدم قوى جديدة لإعادة رسم التوازنات الدولية.
في المقابل، تدرك إيران أنها تجاوزت مرحلة الدفاع عن النفس إلى مرحلة فرض الوقائع. فهي تعلم أن خصومها يخشون الانفجار الكبير أكثر مما يخشونه هي نفسها، ولذلك تتعامل مع التصعيد باعتباره جزءاً من معركة الإرادات لا مجرد مواجهة عسكرية. ومن هنا، يصبح التراجع أمام واشنطن أخطر على النظام الإيراني من الحرب نفسها، لأن التنازل المجاني يعني سقوط الصورة التي بنتها طهران طوال سنوات الصراع.
أما الصين، فتبدو اللاعب الأكثر هدوءاً والأكثر فهماً لطبيعة اللحظة. بكين لا تريد حرباً تهز الاقتصاد العالمي وتضرب طرق الطاقة والتجارة، لكنها أيضاً لا تريد منح واشنطن انتصاراً مجانياً يعيد تكريس الهيمنة الأميركية على الممرات الدولية. لذلك تتحرك الصين بمنطق مختلف: لا إنقاذ كامل لإيران، ولا إنقاذ مجاني لأميركا، بل إنتاج توازن جديد يضمن المصالح ويمنع الانفجار.
هنا يظهر مضيق هرمز بوصفه قلب العالم الحقيقي، لا مجرد ممر بحري. فكل سفينة تعبر هناك تحمل معها جزءاً من استقرار الاقتصاد الدولي، وأي شرارة في هذه المياه قادرة على إشعال الأسواق والطاقة والسياسة دفعة واحدة. ولهذا لم يعد أمن المضيق شأناً إقليمياً فقط، بل مسألة ترتبط بمستقبل النظام الدولي نفسه. وسط هذا المشهد، قد يتحوّل «المرور البريء» إلى كلمة السر. فهذا المفهوم الذي كرّسته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 يمنح الجميع فرصة الهروب إلى الأمام. تستطيع واشنطن عبره تخفيف القيود البحرية والتراجع من دون إعلان هزيمة سياسية، فيما تستطيع طهران تقديم الأمر باعتباره اعترافاً ضمنياً بدورها في إدارة أمن المضيق. أما الصين، فتخرج بصورة القوة التي نجحت في منع الانفجار الكبير من دون إطلاق رصاصة واحدة.
وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن العالم الذي فشل في إنتاج تسوية سياسية شاملة، قد يجد نفسه مضطراً للاختباء خلف مصطلح قانوني صغير كي يمنع الحرب.
في الشرق الأوسط، لا أحد يربح بالكامل... لكن الجميع يبحث عن طريقة كي لا يخسر.