إلى أين المسير... ولبنان يمضي في عتمة الدرب العسير؟
محمد جارودي
هناك أسئلة لا يخطّها الحبر، بل تنقشها المحن في أعماق الوجدان. أسئلة لا تبحث عن جواب بقدر ما تبحث عن يقظة ضمير، وعن بصيص طريق في زمن اختلطت فيه الاتجاهات، حتى غدا السؤال نفسه فعل مقاومة لليأس.
وحين يطول الليل، ويضيق الأفق، وتثقل القلوب بما ترى، لا يبقى أمام الإنسان إلّا أن يرفع رأسه نحو وطنه ويسأل: إلى أين المسير؟
ليس هذا السؤال ترفاً فكرياً، ولا صدى لسجال سياسي، ولا انحيازاً إلى فريق دون آخر، بل هو سؤال يولد من وجع الناس، ويكبر مع كل بيت تهدّم، وكل عائلة تهجّرت، وكل أم ودّعت ابناً إلى الغربة، وكل شاب حمل أحلامه ورحل لأنه لم يجد في وطنه مساحةً تكفي لأحلامه.
ومن حق اللبنانيين، بعد كل ما أصابهم من حروب وأزمات وانهيارات، أن يسألوا: إلى أين يمضي هذا الوطن؟ وكم بقي في أعمار الناس من متّسع لانتظار نهاية هذا النفق الطويل؟
ومن يعود إلى لبنان بعد سنوات من الغياب، يحمل في قلبه صوراً لوطن لم تفارقه المحبة يوماً، يعود وفي داخله أمنية صادقة أن يرى جراحه بدأت تلتئم، فإذا به يكتشف أن الوجع لا يزال أكبر مما تنقله نشرات الأخبار، وأن التعب لم يعد يثقل الاقتصاد وحده، بل استقر في وجوه الناس، وفي تفاصيل حياتهم، وفي قلوب أنهكها الانتظار.
وفي البيوت التي أثقلها الصمت، وعلى الشرفات التي لا تزال تترقب الغائبين، وفي عيون الأمهات اللواتي يرفعن أكف الدعاء كل صباح، يتردد السؤال ذاته، سؤال وطن يشعر أبناؤه أن صرخاتهم تذوب في الفراغ، وأن معاناتهم لم تعد تجد من يصغي إليها بما يليق بحجمها.
لقد تجاوز الواقع اللبناني مرحلة التجميل، ولم تعد البيانات ولا الشعارات قادرة على ستر حقيقة المشهد. فالبلاد تقف عند منعطف بالغ الخطورة، تتداخل فيه الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بينما يمضي الوطن في عتمة درب عسير، ويمضي اللبنانيون معه وهم يدفعون من أعمارهم وأرزاقهم وطمأنينتهم أثماناً لا تُحصى.
غير أن الخسارة الكبرى ليست فيما تهدّم من حجر، فالحجارة يمكن أن تعود إلى أماكنها مهما طال الزمن، أما الإنسان، إذا انكسرت ثقته بوطنه، أو حمل حقائبه ورحل، فإن ما يخسره الوطن يومها لا يُعوَّض بسهولة. فكل عقل يهاجر، وكل شاب يبحث عن مستقبل خارج حدود بلاده، يحمل معه جزءاً من مستقبل لبنان، لأن الأوطان لا تقوم على الإسمنت وحده، بل تقوم على الإنسان، وعلى إيمانه بأن وطنه يستحق البقاء فيه.
ولعلّ أكثر ما يبعث على الخشية أن الخوف لم يعد استثناءً، بل أصبح عادة، وأن الانتظار لم يعد مرحلة مؤقتة، بل تحوّل إلى أسلوب حياة. يستيقظ اللبناني على قلق، وينام على قلق، ويؤجل أحلامه عاماً بعد عام، حتى يكاد الأمل نفسه يتعب من كثرة الانتظار.
لقد طال ليل اللبنانيين، والعمر أقصر من أن يُستهلك في انتظار فجر يتأخّر كل مرة.
وأخطر ما يمكن أن يصيب الأوطان ليس كثرة جراحها، فالتاريخ مليء بشعوب نهضت من تحت الركام، واستعادت أوطانها بإرادة أبنائها. أما الخطر الحقيقي، فهو أن يعتاد الناس الألم، حتى يفقدوا قدرتهم على رفضه، وأن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والقلق إلى حياة، والأزمات إلى قدر يُسلَّم به. فعندما تعتاد الشعوب جراحها، تبدأ بخسارة أثمن ما تملك: إرادة النهوض.
وليس المقصود من هذا الكلام توزيع الاتهامات، فالتاريخ يحتفظ بصفحاته، والناس تعرف ما جرى، والضمير الوطني لا يمحوه الزمن. لكن القضية اليوم أكبر من تبادل المسؤوليات؛ إنها قضية وطن يتآكل من الداخل، وشعب لا يطلب المستحيل، بل يطالب بحقه في الأمن، والاستقرار، والعدالة، ودولة تحمي أبنائها قبل أن تطلب منهم مزيداً من الصبر.
إن أعمار اللبنانيين ليست أرقاماً في دفاتر الزمن، بل هي أحلام مؤجلة، وطاقات مهدورة، وفرص تضيع مع كل يوم يمرّ. والعمر، لو يدرك الجميع، أقصر من أن يضيع في دوامة انتظار لا تنتهي.
ومع ذلك، يبقى لبنان أكبر من كل محنه، لأنه وطن قام مراراً من تحت الركام، وسيظل قادراً على النهوض متى انتصرت إرادة الدولة، وقدمت مصلحة الوطن على كل مصلحة، وأصبح الإنسان اللبناني محور السياسات، لا وقود الصراعات.
ويبقى السؤال معلقاً فوق سماء هذا الوطن، لا لأنه سؤال يائس، بل لأنه نداء ضمير، واستغاثة وطن، وحق شعب في أن يعرف إلى أين يمضي.
فقد طال الليل، وضاقت الدروب، والعمر - لو تدرون - قصير. فقولوا لنا: إلى أين المسير؟ وإلى متى سيبقى لبنان يسير في عتمة الدرب العسير، فيما ينتظر أبناؤه فجراً يعيد إليهم وطناً آمناً، ودولة عادلة، وحياةً تليق بالإنسان اللبناني.






