بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 نيسان 2026 12:00ص بروتوكول الحزن في لبنان

حجم الخط
يُعدّ تنكيس العلم، في الأعراف الدبلوماسية والبروتوكولية، إشارةً رمزية بالغة الدلالة على الحداد الوطني أو التعبير عن الاحترام في لحظات الألم الجماعي؛ فهو ليس إجراءً شكلياً فحسب، بل لغة صامتة تختصر موقف الدولة وتُترجم حساسية السلطة تجاه مشاعر مواطنيها.
في لبنان، ترسّخ في السنوات الأخيرة عُرفٌ يقضي بتنكيس العلم فوق القصر الجمهوري في يوم «الجمعة العظيمة»، تعبيراً عن مشاركة المواطنين المسيحيين مشاعر الحزن والخشوع في هذه المناسبة الدينية. ولم يقتصر هذا الإجراء على قصر بعبدا، بل امتدّ ليشمل السرايا الحكومية أحياناً، مما منح الممارسة طابعاً رسمياً يتجاوز البعد الرمزي العابر. وقد صدر أول إعلان رسمي بهذا الشأن عن رئاسة الجمهورية في عهد الرئيس ميشال عون، في نيسان 2017، ما أضفى على هذا العُرف صفةً مؤسساتية.
غير أن هذا الإجراء يفتح، بطبيعة الحال، باباً لنقاش أوسع يتصل بمفهوم المساواة في التعبير الرمزي للدولة «التعددية» تجاه مكوّناتها. فإذا كان تنكيس العلم يُجسّد احترام مشاعر شريحة من اللبنانيين في مناسبة دينية مسيحية، فهل ينبغي اعتماد المبدأ ذاته في مناسبات دينية أخرى ذات طابع حِدادي، وفي مقدّمها ذكرى «عاشوراء»؟
السؤال هنا يتجاوز البعد البروتوكولي إلى جوهر فكرة الدولة: هل تُقارب السلطة المركزية مناسبات مواطنيها من منطلق الخصوصية الدينية لكل طائفة، أم وفق معيار وطني موحّد يُحدّد متى يكون الحداد «عاماً» ومتى يبقى «خاصاً»؟
إن توسيع دائرة التنكيس قد يُفسَّر بوصفه تكريساً للاعتراف بالتنوّع، لكنه في المقابل قد يفتح الباب أمام «تضخّم رمزي» يُفقد الإجراء معناه الاستثنائي. أما حصره في مناسبات بعينها، فيطرح إشكالية المعايير: من يملك حق التقرير، وعلى أي أساس؟
بين هذين الخيارين، يبدو أن المسألة سياسية - ثقافية بامتياز، ترتبط بكيفية تعريف الكيان السياسي لنفسه:
- إما دولة تُجامل التعدّد: تتعامل مع المناسبات الطائفية كـ «هدايا بروتوكولية» أو استجابة لضغوط اللحظة وموازنات السياسة. وفي هذه الحالة، يظل تنكيس العلم مجرد «ترضية» اجتماعية تفتقر إلى القاعدة القانونية، مما يجعله عرضة للاستنسابية. - وإما دولة تُعيد صياغة التعدّد: ضمن إطار جامع يوازن بين الخصوصية والوحدة، وتنتقل من «المسايرة» إلى «المأسسة»، بحيث تصبح هذه المناسبات جزءاً من «تقويم الحزن الرسمي» للدولة بصفتها الراعية للجميع، لا كطرف يسعى لإرضاء كل جهة على حدة.
وفي انتظار جوابٍ حاسم، يبقى السؤال مفتوحاً: إذا كان العلم يُنكّس في لحظة حزنٍ ديني معيّن، فمتى وكيف يُنكّس في لحظات حزنٍ أخرى لا تقلّ حضوراً وتأثيراً في وجدان شريحة واسعة من اللبنانيين؟