مرّ وقت طويل على رحيل الفنّان صليبا الدويهي، دون أن أعمد إلى الكتابة عن هذا الغياب المؤلم، كوني عرفتُه عن كثب في باريس، وقبل وفاته عام 1994 عن عمر بلغ الخمسة والثمانين عاماً في الولايات المتحدة الأميركيّة، التي هاجر إليها كغيره من الفنّانين الباحثين عن الدراسة في الخارج وتطوير القدرات واكتساب المزيد من المعلومات في الفنّ والجمال، وفي المجالات الأخرى، بسبب رعاية هذه الدول للفنّ والفنانين، واهتمامها بهم، ممّا أغرى هذا الشيء البعض، وحدا به للبقاء في الخارج كما فعل الكثير، ومنهم (إضافة إلى صليبا الدويهي)، شفيق عبّود، إيتيل عدنان، أسادور، موسى طيبا، وقبلهم جبران خليل جبران، على سبيل المثال لا الحصر.. ناهيك من الأسباب الاقتصاديّة والسياسيّة والأمنيّة، التي حدت بالبعض السفر والبقاء في الخارج.. هو نزيف لقوّة الوطن وروحه، كان، ولمّا يزل للأسف الشديد!
الحديث عن هذا الفنّان الزغرتاويّ له طعم خاصّ ومميّز؛ هذا الفنّان النموذج للجرأة الفنّيّة والإنسانيّة.
عرفتُه عن كثب في باريس أثناء دراستي هناك في النصف الثاني من الثمانينيّات وبداية التسعينيّات. سبق وذكرتُ ذلك في كتاباتي، ولا سيّما صداقته لنا، نحن الطلاب الشباب، وهو الكهل قياساً لنا، الذي لم يقف سنّه عائقاً أمام تلك الصداقة والجلوس معنا من حين لآخر لتناول القهوة في مقاهي باريس، والدردشة حول الفنّ والحياة. كان استثنائيًّا بهذا الأمر، عكس البعض من الفنانين اللبنانيّين الذين جايلوه عمراً وتجربة دون الدخول بلعبة الأسماء. لقد حضر معارضي الفرديّة في باريس، وشاركني فرحتي الفنّيّة هناك في بداياتي، وأحبّ أعمالي وشجّعني، بل أنّه قام والسيّدة قرينته (إيميه الشدراوي) بحضور مناقشتي للدكتوراه في جامعة باريس 8، وكان مصغياً لكلّ كلمة قِيلت حينها، فهو الفنّان المتعمّق في الفلسفة والفنّ، أحبّ موضوع أطروحتي المتعلّق بعلم الدلالة التجريديّة (السيمونتيك). سرّني كثيراً وجوده حينها كما وجوده في معارضي. من بين أحاديثنا الخاصّة، والتي لا تضيره، أنّه أسرّ لي في إحدى المرّات أنّه يعتاش من بيع أعماله السابقة من كلاسيكيّة وواقعيّة وانطباعيّة، التي نفّذها قبل مرحلة التجريد، والتي تتناول مواضيع من الطبيعة والإنسان، والتي كانت سائدة حينها، ومرغوبة بشكل كبير في لبنان مع رعيل الأوائل، ومن تلاهم من فنّانين. قال لي ذلك بحسرة، ولا سيّما أنّه قد تخلّى عن هذا الأسلوب والتيّار الفنّيّ منذ زمن، ولجأ إلى الأسلوب التجريديّ بنسخته الأميركيّة أثناء إقامته في الولايات المتحدة الأميركيّة، وأعني به تيّار الحافّة «الصلبة» The Hard- Edge Painting الهندسيّ المقتصر على المساحات اللونيّة بمساحاتها الحادّة الصلبة. وإذا درسنا هذه الأعمال عن كثب وحللناها لوجدنا روح إهدن والجبل والطبيعة اللبنانيّة تكمن فيها؛ يكفي أن نقلب اللوحة رأساً على عقب لنرى منظراً طبيعيًّا، لكنّه يخلو من التفاصيل التي عرفتها أعماله السابقة. يبدو أنّ ابتعاده عن رؤية التفاصيل بشكل دائم في بلده الأمّ ترك أثره في ذلك. في مساحاته الهندسيّة لا تغيب روح الشرق بألوانها؛ فالبارد يُحاكي طبيعة إهدن (توأم زغرتا) الجبليّة المثلجة، والدافىء يُشير إلى روح الشرق وشمسه ونوره.
تأثّر في بداياته الفنّيّة بالفنانين «مايكل أنجلو» و«دافنشي»، مزج كلاسيكيّته بوجوه لبنانيّة قرويّة من الناس العاديّين والبسطاء لإعطاء طابع محلّيّ للأعمال. أقام عدّة معارض في لبنان وخارجه، وشارك في معارض كثيرة مع طليعيّي الفنّ في لبنان من داوود القرم، إلى حبيب سرور، وجبران خليل جبران، وخليل الصليبيّ، ويوسف الحويّك، وعمر الأنسيّ، وقيصر الجميّل، ومصطفى فرّوخ.. مرّ بمرحلة الانطباعيّة راسماً وملوّناً التراث والقرية والفلكلور، بأسلوب أكاديميّ وكلاسيكي متأثّراً بمعلّمه حبيب سرور، ثمّ دراسة في باريس (كلاسيكيّة وانطباعيّة)، ومن بعد ذلك هجرة إلى الولايات المتحدة عام 1950.
كتبتُ في مؤلّفي الأخير «محطّات تشكيليّة» عن مرحلته في كنيسة «مار يوحنّا - عنّايا» التي نفّذ فيها أعمالاً من الزجاج المعشّق (الفيتراي) بطلب من الرهبنة اللبنانيّة. لم يقتصر الأمر على عنّايا، فقد قام صليبا بتصوير (تلوين) سقف كنيسة الديمان على مدى أربع سنوات بطلب من بطريرك الموارنة آنذاك «مار أنطونيوس عريضة»، فكان عمله مزيجاً من الكلاسيكيّة والانطباعيّة مستعملاً نماذج من الوجوه القرويّة ومن الناس البسطاء كما ذكرنا.
قام أيضاً بإنجاز جداريّات كنيسة «مار يوحنا المعمدان» في زغرتا. والعمل الأبرز له كان زجاجيّات كنيسة «مار شربل - عنّايا» التي أخذت منه وقتاً طويلاً وجهداً استثنائيًّا لتنفيذها. استعمل فيها تقنيّة خاصّة لا علاقة لها بالتقنيّة المعروفة في الغرب التي تقوم على استعمال الفاصل القصديريّ بين قطع الزجاج المؤسلب. أمّا تقنيّته الخاصّة فتقوم على لصق الزجاج الملوّن على قطعة من الزجاج الأبيض الشفّاف عبر استعمال مادّة «الإيبّوكس» اللاصقة. هي عبارة عن تأليفات كبيرة ترجمها الفنّان إلى نشيد مُدهش من هندسة العمارة والتصوير؛ بناءات قويّة، ألوان واضحة، مساحات رحبة.. هي احتفال رائع بالإنسانيّة والألوهيّة، على حدّ تعبير الأب «بيار سعد».. عدد الألواح خمسة، كبيرة الحجم، وهناك خمسة ألواح أخرى دائريّة الشكل موجودة فوق أبواب خمسة كبيرة حاكى بها المستديرات الكبيرة في كنيسة «شارتر» الفرنسيّة، وهذه الدوائر تطلّ على قصّة حياة القدّيس شربل..
من ناحية أخرى، تسنّى لي أثناء وجودي في باريس مشاهدة معرضه الاستعاديّ في «معهد العالم العربيّ» عام 1993 الذي ضمّ ثلاثين لوحة اختصرت أعماله على مدى أكثر من خمسين عاماً، ومن ضمنها التجريديّة، اختصرت تجربة فنّان كبير بفنّه وجرأته.
سأسرد هنا حادثة مسلّية أسرّها لي الصديق الفنّان «جورج الزعتينيّ» ابن بلدة زغرتا، أطال لله بعمره، والذي عرف الفنّان صليبا، وساعده أثناء تنفيذ زجاجيّاته التي تحدّثنا عنها. يقول الراوي إنّ صليبا أقام معرضاً لأعماله في بداياته في بلدته زغرتا. كان المعرض في منزل الفنّان صليبا، وقد دعا الأهالي لحضوره، لكنّ أحداً لم يأتِ بسبب عدم اعتياد أهالي البلدة على شيء إسمه فنّ، ومعارض، وما شابهها! بسبب فطنته وذكائه لجأ الفنّان إلى حيلة لها دلالاتها المتعدّدة؛ أشاع خبراً في ساحة البلدة أنّه تسلّم هديّة من الخارج عبارة عن مسدّس حربيّ يمتاز بصفات خاصّة، لم يشاهد أحدٌ مثله من قبل.. وبما أنّ الأهالي مجبولون على معنى البطولة والرجولة المتمثّلة بالقبضاي الذي يضع مسدساً على خصره (كأفلام الويسترن الأميركيّ)، الخ.. حضر جميع أهالي البلدة إلى منزله بهدف مشاهدة المسدّس والتمتّع بمزاياه. وبدلاً من تكحيل العيون برؤية المسدّس كحّلوا عيونهم بالأعمال المعروضة التي فرضت نفسها عليهم، وشدّتهم إليها، وأُعجبوا بها. دخل عليهم الفنّان الذي كان قد طلب منهم الانتظار عند وصولهم لإحضار المسدّس من الداخل، وهدفه الوحيد هو ترك الفرصة لهم لمشاهدة الأعمال، ليس أكثر. صارحهم بعد ذلك بالحقيقة، التي لم تزعجهم، وكيف أنّه اضطر إلى هذه الكذبة البيضاء كي يأتوا إلى منزله ومشاهدة لوحاته. منذ حينها اعتاد الأهالي على فنّانهم، ومشاهدة أعماله، بل اعتزازهم به..
أمثال صليبا الدويهي لا يغيبون، بل تبقى أعمالهم غذاءً فكريًّا وروحيًّا لنا؛ أعطى كغيره من الفنّانين المرموقين، من عرقهم ودمهم ووقتهم وتعبهم فنًّا للبشريّة المتعطّشة إلى الجمال والنور أكان في اللوحة أم في المنحوتة، أم على جدران الكنائس، أم في القلوب المؤمنة بالفنّ والإنسان النبيل النظيف النقيّ..
د. يوسف غزاوي
فنّان تشكيليّ وأكاديميّ