بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 نيسان 2026 03:43م بين الاغتيال الجسدي والإلغاء المعنوي.. لماذا يُستهدف "الرأس السني" في لبنان؟

حجم الخط
"ما هكذا تُبنى الأوطان".. عبارة ليست مجرد صرخة عتاب في مهب الريح، بل هي توصيف دقيق لمسار سياسي وعر في لبنان، يبدو فيه أن قدر القامات الوطنية التي تتبوأ سدة المسؤولية هو الوقوف دائماً في مواجهة العواصف. منذ فجر الاستقلال، لم تكن رئاسة الحكومة في لبنان مجرد موقع دستوري لإدارة شؤون البلاد، بل تحولت إلى ساحة مواجهة دفع شاغلوها أثماناً باهظة، تراوحت بين الاغتيال الجسدي المباشر والتغييب المعنوي الممنهج.
..ضريبة الدم: تغييب الرموز السياسية والروحية

بالعودة إلى شريط التاريخ اللبناني الدامي، نجد أن "التصفية الجسدية" كانت السلاح الفتاك لتغييب العقول التي حملت مشروع الدولة وصيغة العيش المشترك:

رياض الصلح (1951): أول رئيس وزراء بعد الاستقلال، واغتيل ليفتتح مسلسل استهداف الكبار.

الشيخ صبحي الصالح (1986): المفكر الإسلامي الذي اغتيل لضرب لغة الحوار والفكر المستنير.

رشيد كرامي (1987): "رجل الدولة" الذي فُجرت به مروحية تابعة للجيش وهو يحاول توحيد البلاد.
المفتي حسن خالد (1989):"مفتي الوحدة الوطنية" الذي كان اغتياله محاولة لقطع رأس المرجعية الدينية والسيادية.
رفيق الحريري (2005): الزلزال الذي استهدف مشروع نهوض وطني شامل، ووجه ضربة قاصمة لركيزة التوازن اللبناني.

وهم السلطة.. وحقيقة "الترويكا" المعطلة*
ثمة مغالطة تاريخية يُراد تسويقها دائماً، وهي أن رئيس الحكومة هو الحاكم الأوحد الذي يُسأل عن الانهيار، بينما الواقع الدستوري والميداني ينطق بغير ذلك. لبنان، بحكم العرف والممارسة، لا يُحكم من قبل شخص أو موقع واحد، بل يخضع لمنطق "الرؤساء الثلاثة" (الجمهورية، النواب، الحكومة).
هذا التوزيع الطائفي للسلطات خلق حالة من "الفيتوهات المتبادلة" التي تجعل رئيس الحكومة مقيداً بتوافقات لا تنتهي. فكيف يُحاسب رئيس الوزراء على الفشل، وهو الذي يصطدم في كل خطوة بصلاحيات رئيس الجمهورية من جهة، وسطوة رئيس مجلس النواب على التشريع من جهة أخرى؟
سطوة السلاح والتأثير الخارجي
بعيداً عن الورق والدستور، يرزح "السراي الحكومي" تحت وطأة واقع ميداني لا يرحم. إن سطوة "حـ.زب الله" وسلاحه الذي يفرض أجندات تتجاوز حدود الوطن، ناهيك عن التأثيرات الإقليمية والخارجية التي تجعل من رئاسة الحكومة "صندوق بريد" أو "كبش فداء" عند كل أزمة، هي العائق الحقيقي أمام أي مشروع إصلاحي. إن رئيس الحكومة اليوم يواجه "دولة داخل الدولة" تملك قرار الحرب والسلم وفائض القوة، ومع ذلك، يُراد منه أن يتحمل وحده وزر الانهيار الاقتصادي والسياسي.
الاغتيال المعنوي: من السنيورة والحريري إلى نواف سلام
أما من نجا من القتل المباشر، فقد واجه "الاغتيال السياسي":

1. فؤاد السنيورة:الذي صمد أمام "حصار السراي" (2006-2008) ومحاولات الانقلاب الميداني والسياسي.

2. سعد الحريري: الذي واجه الاستنزاف والتعطيل الممنهج حتى أُجبر على تعليق عمله السياسي قسراً.

3. نواف سلام: واليوم، نرى السيناريو يتكرر مع الرئيس نواف سلام. فقبل أن يبدأ، تُشن ضده حملات التخوين والتشكيك، في محاولة واضحة لتصفيته معنوياً وإفشال مهمته الوطنية قبل انطلاقها.
خاتمة: استهداف "الرأس" لسقوط الجسد
إن تحميل "الرأس السني" تهمة الفشل دائماً هو ذروة التجني. إن ما يجري هو محاولة لضرب "اتفاق الطائف" وتهميش المكون الذي يمثل صلة الوصل بين لبنان وعمقه العربي والدولي. إن استمرار تصفية رجالات الدولة، جسدياً أو معنوياً، لا يضعف السنة فحسب، بل يقوض أساسات لبنان كدولة توازن وشراكة.
فهل يدرك اللبنانيون أن الأوطان لا تُبنى على أنقاض قادتها، وأن استهداف "الرأس" في ظل سطوة السلاح وتعطيل المؤسسات يعني حتماً سقوط الجسد الوطني كاملاً؟
#لبنان #اتفاق_الطائف #رئاسة_الحكومة #نواف_سلام #تاريخ_لبنان  #السياسة_اللبنانية #اغتيالات_لبنان #العدالة #ما_هكذا_تبنى_الأوطان #فائض_القوة

بقلم: بلال أحمد حجازي .صحفي.