فيما يجهد لبنان لفصل مسار مفاوضاته مع كيان الاحتلال الإسرائيلي عن مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية، فرضت طهران عدم الفصل بقوة الأوراق التي تمتلكها لا سيما إعادة إغلاق مضيق هرمز وتأخير انعقاد مفاوضات جنيف يومين، بسبب عدم إيفاء الإدارة الأميركية بتعهداتها الواردة في البند الأول من ورقة التفاهم التي تم توقيعها الأسبوع الماضي، والتي تنص على الضغط على كيان الاحتلال لوقف عدوانه الوحشي على لبنان. وفعلا بعد يومين من الغارات الإسرائيلية العنيفة الجمعة والسبت وارتقاء أكثر من 100 شهيد لبناني وعشرات الجرحى، وتدمير مزيد من المنازل والبنى التحتية ومؤسسات الدولة ومنها السبت مبنى مصرف لبنان المركزي في النبطية، وبعد الموقف الإيراني، فعلت الإدارة الأميركية ما كان يجب ان تفعله منذ 24 تشرين الثاني 2024 بإلزام كيان الاحتلال وقف العدوان، وهو ما التزم به العدو منذ صباح أمس الأحد.
هذه الوقائع تُبيّن بلا أدنى ريب كيفية تعامل الإدارة الأميركية مع العدوان على لبنان، وكيف تدير ظهرها والأذن الطرشاء لمطالب لبنان، بينما كانت تلبّي كل شروط إسرائيل بإطلاق يدها في لبنان برغم اتفاقات وقرارات وقف اطلاق النار بحجة حماية أمن جنودها ومستوطناتها، وكأن الجنود يُقتَلون خارج الأراضي اللبنانية بينما هم جيش محتل بكل معنى الكلمة منتشر في عشرات القرى اللبنانية الجنوبية. ومع ذلك تطلب الإدارة الأميركية وإسرائيل وحتى الدولة اللبنانية من المقاومة وقف عملياتها ضد جنود الاحتلال التي تحاول كل ساعة التسلل أو التوغل داخل مزيد من الأراضي اللبنانية.
وأظهرت تطورات الأيام الأخيرة انه بإمكان لبنان تغيير نمط وأسلوب التفاوض المباشر ولو اضطر الى تعليق المفاوضات أو الانسحاب منها مؤقتاً، طالما ان موازين القوى في المنطقة تغيّرت وبأكثر من 180 درجة، بحيث خضع كيان الاحتلال الإسرائيلي لميزان الميدان في الجنوب نتيجة خسائره العسكرية الكبيرة والعجز عن التوغل أكثر في منطقة النبطية، ولميزان إيران السياسي الضاغط على الأميركي والإسرائيلي.
بهذا المعنى، فقد استفاد لبنان من دون طلب رسمي من الدولة من الموقف الإيراني المتشدّد، بعدما قالت إيران انها عملت واجبها وفرضت وقف إطلاق النار في كل الجبهات. يبقى أن يمارس الوفد اللبناني في المفاوضات غدا أعلى درجات التشدّد مع الوفدين الإسرائيلي والأميركي، تماما كما يفعل الطرفان مع لبنان بفرض شروط متشددة عليه، ويمكنه أن يستفيد بشكل غير مباشر من موقف إيران المتشدّد بشمول لبنان قرار وقف الأعمال العسكرية في كل المنطقة خلال مفاوضات جنيف. كما يمكنه أن يستفيد من موقف المقاومة التي أعلنت التزامها بقرار وقف اطلاق النار ونفذته من ليل السبت.
عدا ذلك سيبقى لبنان واقعا بين المطرقة الإسرائيلية والسندان الأميركي وبين الموقف الإيراني المساعد... فأيهما يختار؟
لا شك ان المشهد الإقليمي تغيّر من جو هزيمة إيران وحلفائها، لمصلحة توازنات جديدة تفيد طهران وحلفائها فرضتها المواجهة العسكرية في المنطقة وشمول الحلول كل الجبهات. والمشهد العسكري والصمود برغم الخسائر ينعكس على المشهد السياسي، وإلّا لما اضطر الرئيس الأميركي ترامب لممارسة ما وُصِف بالضغوط الهائلة على كيان الاحتلال حتى التزم بوقف عملياته العسكرية في كامل الجنوب. وإذا نجحت مفاوضات جنيف التقنية التي بدأت أمس بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، ستنعكس إيجاباً بصورة أكبر وأوسع على لبنان، شرط أن تستفيد الدولة من هذه التطورات وتتلقّف النتائج الإيجابية التي يمكن والمفترض أن تحصل، لكن من دون أي تنازل للاحتلال، والأهم من ذلك، ان لبنان يجب أن لا يبقى مستفرداً بالمفاوضات مع الأميركي والإسرائيلي وهما حليفان استراتيجيان تاريخياً، وخياراته في منع الاستفراد موجودة سواء بالدعم العربي المباشر أو الدعم الإيراني السياسي غير المباشر، عدا إمكانية استخدامه ورقة المقاومة وانجازاتها في الميدان.