محمد جارودي
بين تفاؤل الدبلوماسية وحذر التاريخ، يشهد الشرق الأوسط من جديد مخاض تحوّل جيو-سياسي قد يكون الأعمق منذ وعينا المعاصر. وتتزايد القراءة الواقعية لهذا المشهد مع تواتر التسريبات عن قرب توقيع اتفاق أميركي - إيراني وشيك، يتبعه انطلاق حوار إقليمي موسّع يجمع طهران مع أربع قوى وازنة في المنطقة، وهي السعودية ومصر وتركيا وباكستان، وبمواكبة أميركية غير مباشرة. هذا المشهد، وإن بدا في ظاهره إيذاناً بـ «سلام تاريخي»، إلّا أن قراءته بموضوعية تقتضي تفكيكه من منظورين متوازيين: أفق الطموح الدبلوماسي، ومكابح التاريخ الصارمة.
إن النظر إلى تركيبة الأطراف الأربعة المقابلة لإيران يكشف عن صياغة دقيقة لـ «مربع أمني متكامل الأركان» لمواجهة النفوذ الإيراني أو تنظيمه. فهذا المربع يجمع الثقل الجغرافي والمالي والدنيوي ممثلاً بالمملكة العربية السعودية، والثقل البشري والعسكري والتاريخي لشرق المتوسط والأمن البحري ممثلاً بجمهورية مصر العربية، إلى جانب القوة العسكرية الإقليمية لتركيا الطامحة لتأمين خطوط التجارة والشمال، وصولاً إلى البعد النووي والعمق الآسيوي المحاذي للحدود الشرقية الإيرانية ممثلاً بجمهورية باكستان الإسلامية. هذا التكتل الرباعي لا يهدف إلى إعلان مواجهة عسكرية، بل إلى صياغة معادلة ردع دبلوماسية جماعية تلزم طهران بالجلوس إلى طاولة تفاوض تتعادل فيها موازين القوى وتتوازن فيها الكَفَّات، بينما تجسّد «المواكبة الأميركية عن بُعد» رغبة واشنطن في تقليص التزاماتها المباشرة والتفرغ للصراع الاستراتيجي الأكبر في الشرق الأقصى.
ولكن، لكي تكون الرؤية عصيّة على الانتقاد ومحصّنة بالواقعية، لا بد من إسقاط هذه الفرضيات على شواهد التاريخ القريب والبعيد، والتي تفرض ثلاث كوابح رئيسية للتفاؤل المفرط. أول هذه الكوابح هو إرث اتفاق عام 2015 النووي، والذي يثبت أن الاتفاقات الدولية مع طهران، ما لم تُربط بتفكيك شبكات نفوذها الإقليمية، تحوّلت إلى مظلة تمنحها حرية حركة أوسع مستفيدة من رفع العقوبات. وثانيها هو طبيعة التنافس التاريخي بين الأقطاب الإقليمية الكبرى، كالنزاع التركي - الإيراني القديم، والذي يوضح أن الصراع بين هذه القوى لا ينتهي بنظام دمج أمني شامل، بل برسم خطوط حمراء جغرافية صارمة، مما يعني أن الحوار المرتقب سيكون محاولة لإدارة الصراع بأساليب سلمية مؤفتة وليس لإنهاء الخلافات جذرياً. وثالث الكوابح يكمن في تباين أولويات المربع الرباعي المقابل لإيران؛ فبينما تركّز الرياض على أمن الخليج، تنكفئ القاهرة على تحدياتها الاقتصادية وأمن البحر الأحمر، وتنظر أنقرة إلى الشمال السوري والعراقي، وهو تباين قد تستغله الدبلوماسية الإيرانية ذات النفس الطويل لتفكيك وحدة هذا الموقف المشترك.
بناءً على هذه المعطيات، فإن القراءة الأكثر عمقاً لهذا الحوار المرتقب ليست ولادة شرق أوسط مسالم، بل هو أقرب إلى صياغة «مؤتمر يالتا إقليمي جديد». ولمن لا يعرف «يالتا»، فهو المؤتمر الشهير الذي عُقد في أواخر الحرب العالمية الثانية عام 1945، واجتمع فيه قادة الحلفاء الثلاثة الكبار: روزفلت، وتشرشل، وستالين، حيث قاموا بتقسيم خريطة نفوذ العالم وتحديد الحدود السياسية الجديدة في أوروبا لمرحلة ما بعد الحرب، واضعين بذلك الحجر الأساس لعصر الحرب الباردة ونظام القطبية الثنائية.
وفي هذا السياق الإقليمي، يتكرر جوهر المشهد؛ حيث يتجه الشرق الأوسط نحو مرحلة من «الاستقرار البارد» تحل فيها الطاولات الدبلوماسية محل الجبهات المفتوحة مؤقتاً لترسيم مناطق النفوذ والحدود الأمنية لكل طرف. غير أن نجاح هذا النظام الإقليمي الجديد يظل رهيناً بمدى قدرة الدول الأربع الكبرى على الحفاظ على موقف موحد وصارم، يُشعر طهران بأن تكلفة خرق التوافقات ستفوق بكثير عوائد اتفاقها الجديد مع واشنطن، ففي غياب هذا التماسك والتنسيق، لن يكون الاتفاق سوى «هدنة محارب» عابرة في صراع تاريخي ممتد.