بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 أيار 2026 12:10ص تحالفات جديدة تُعيد رسم الشرق الأوسط... ولبنان خارج الخريطة؟

حجم الخط
د. رشا أبو حيدر

في مشهد دولي يتغيّر بسرعة، لم تعد التحالفات تُبنى على الأسس العسكرية وحدها، بل باتت ترتكز على الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. في هذا السياق، يبرز تحالف I2U2 Group كإطار جديد يجمع بين الهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة، في محاولة لإعادة صياغة التعاون الإقليمي على أسس عملية ومصلحية. لكن هذا التحالف لا يقف عند حدود التنسيق النظري، بل يجد ترجمته على الأرض من خلال مشروع India–Middle East–Europe Economic Corridor، الذي يُعدّ أحد أبرز ملامح النظام الإقليمي الجديد.
يقدّم تحالف I2U2 نموذجاً مختلفاً عن التحالفات التقليدية، حيث تتكامل الأدوار بين أعضائه: تمويل إماراتي، تكنولوجيا إسرائيلية، قدرة إنتاجية هندية، وغطاء سياسي واستراتيجي أميركي. هذا التكامل لا يهدف فقط إلى تحقيق نمو اقتصادي، بل إلى بناء شبكة نفوذ تمتد من جنوب آسيا إلى أوروبا، مروراً بالشرق الأوسط. ومن هنا، يصبح مشروع IMEC أكثر من مجرد ممر تجاري، بل أداة جيوسياسية لترسيخ هذا التحالف على أرض الواقع.
في قلب هذا المشروع، تلعب إسرائيل دوراً محورياً بوصفها بوابة العبور نحو أوروبا، عبر موانئها على البحر المتوسط، وفي مقدمتها ميناء حيفا. هذا الدور يمنحها موقعاً استراتيجياً في سلاسل الإمداد العالمية، ويعزز حضورها الإقليمي، ليس فقط كقوة عسكرية، بل كفاعل اقتصادي لا يمكن تجاوزه. أما الإمارات، فتؤدي دوراً حاسماً كمركز لوجستي ومالي، مستفيدة من بنيتها التحتية المتطورة وموقعها الجغرافي الذي يربط الشرق بالغرب.
غير أن هذا التحوّل يطرح تساؤلات جدّية حول مستقبل دول أخرى في المنطقة، وفي مقدمتها لبنان. فبينما تتشكّل شبكات جديدة للتجارة والنفوذ، يجد لبنان نفسه خارج هذه المعادلة، في ظل أزمات داخلية تعيق قدرته على اللحاق بركب التحوّلات. إن انتقال مركز الثقل نحو الخليج وإسرائيل يهدّد بتهميش الدور التاريخي للمرافئ اللبنانية، التي كانت يوماً محوراً للتجارة في شرق المتوسط.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في غياب لبنان عن هذه المشاريع، بل في غياب رؤية واضحة لكيفية التعامل معها. ففي وقت تتحرك فيه الدول لبناء تحالفات جديدة، لا يزال لبنان أسير أزماته السياسية والاقتصادية، ما يجعله غير قادر على الاستفادة حتى من الفرص غير المباشرة التي قد تتيحها هذه التحوّلات.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذه التحالفات، رغم طابعها الاقتصادي، تحمل في طياتها أبعاداً سياسية عميقة. فدمج إسرائيل في منظومة تعاون إقليمي بهذا الحجم يعكس مساراً متقدماً من إعادة تشكيل العلاقات في الشرق الأوسط، وهو ما قد يثير حساسيات ويطرح تحديات أمام استدامة هذه المشاريع. ومع ذلك، يبدو أن منطق المصالح يتقدم تدريجياً على حساب الاعتبارات التقليدية.
في المحصلة، يشير الترابط بين I2U2 وIMEC إلى ولادة نموذج جديد في المنطقة، حيث تتقاطع التجارة مع السياسة، وتتحوّل الممرات الاقتصادية إلى أدوات نفوذ. وبينما ترسّخ هذه التحالفات مواقعها، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع لبنان أن يجد لنفسه مكاناً في هذا النظام الجديد، أم أنه سيبقى على هامش خريطة تُعاد كتابتها من دون أن يكون له دور في صياغتها؟