بيروت - لبنان

اخر الأخبار

1 أيار 2026 12:15ص حرب إيران 2026: من «الغضب الملحمي» إلى الخنق الاستراتيجي.. قراءة في الأهداف المعلنة والمضمرة

حجم الخط
د. طلال الساحلي*

مقدمة: هندسة «الصمت العسكري» وما بعد الصدمة

لم تكن الساعات الأولى من عملية «الغضب الملحمي» (Operation Epic Fury) في فبراير 2026 مجرد عرض تقليدي للقوة الجوية، بل كانت زلزالاً جيوسياسياً أُريد له أن يعيد ضبط «ساعة الزمن» في الشرق الأوسط. ومع وصولنا إلى أواخر أبريل 2026، يبدو المشهد وكأنه استقراء لقصيدة لم تكتمل؛ حيث توقفت القاذفات عن الهدير وحلّ محلها «خنق استراتيجي» صامت ومطبق. هذا التحوّل الجذري من الصخب العسكري إلى الجمود الميداني يثير تساؤلات تتجاوز منطق الربح والخسارة: لماذا اختارت القوة العظمى الوحيدة في العالم أن تضع غمدها في منتصف الطريق؟ وهل الأهداف التي أُعلنت تحت أضواء المؤتمرات الصحفية هي ذاتها التي تُدار في الغرف المظلمة للأمن القومي؟

أولاً: الأهداف المعلنة.. التفكيك الشامل تحت مجهر «الردع الخشن»

حين أطلق الرئيس ترامب حملته، كانت الأهداف المعلنة تمثل «سقفاً استراتيجياً» غير مسبوق في تاريخ المواجهات بين واشنطن وطهران. لم تكن مجرد ضربات عقابية، بل كانت تهدف إلى إعادة صياغة الدولة الإيرانية عسكرياً، ويمكن تفصيل هذه الأهداف المعلنة كما وردت في بيانات البيت الأبيض والبنتاغون على النحو التالي:
• التفكيك النهائي للبنية التحتية النووية: كان الهدف الأبرز هو «الإنهاء المادي» للبرنامج النووي الإيراني وليس مجرد تعطيله. شمل ذلك استهداف منشآت «نطنز» و«فوردو» بضربات مركبة تستخدم قنابل GBU-57 الخارقة للتحصينات. واشنطن أعلنت صراحة أنها لن تقبل بأقل من تدمير أجهزة الطرد المركزي المتقدمة ومخزونات اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، لضمان استحالة «الاختراق النووي» (Breakout Time) لسنوات طويلة قادمة.
• سحق سلاح «الردع الصاروخي والمسيّرات»: أعلنت إدارة ترامب أن الهدف الثاني هو تدمير كامل لترسانة الصواريخ الباليستية والمجنحة (كروز)، بالإضافة إلى مصانع الطائرات المسيّرة التي باتت تهدّد الملاحة الدولية. سعت واشنطن لشلّ «المدن الصاروخية» تحت الأرض ومنصات الإطلاق المتحركة، بهدف حرمان طهران من قدرتها على توجيه ضربات انتقامية بعيدة المدى ضد القواعد الأميركية أو الحلفاء الإقليميين.
• تحييد القوة البحرية ومنع «إغلاق المضائق»: تضمن بنك الأهداف المعلن تدمير الزوارق السريعة، الغواصات الصغيرة، ومنظومات الألغام البحرية التابعة للحرس الثوري. الهدف كان ضمان تدفق النفط عبر مضيق هرمز تحت أي ظرف، وتحويل الخليج إلى منطقة سيطرة بحرية أميركية مطلقة تمنع إيران من استخدام «ورقة الطاقة» كأداة ابتزاز دولي.
• إنهاء نفوذ «الوكلاء الإقليميين» (قطع الأذرع): أعلنت واشنطن أن الحرب تهدف إلى تجفيف منابع تمويل ودعم الجماعات المتحالفة مع إيران في العراق ٥٥ ولبنان واليمن. الهدف المعلن هنا كان «التحجيم الجغرافي» للنفوذ الإيراني وإرغام النظام على الانكفاء داخل حدوده الوطنية، والتخلّي عن عقيدة «تصدير الثورة» التي حكمت سياسته الخارجية لعقود.
• تغيير «سلوك النظام» أو فرض «الصفقة الكبرى»: رغم أن واشنطن لم تعلن رسمياً «تغيير النظام» كهدف أولي، إلّا أن ترامب صرّح بأن الهدف هو إجبار القيادة الإيرانية الجديدة (بعد مقتل المرشد في فبراير) على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروط أميركية كاملة، تشمل التخلّي عن الطموحات النووية، ووقف تطوير الصواريخ، والاعتراف بالترتيبات الأمنية الجديدة في المنطقة.

ثانياً: الأهداف المضمرة.. الصراع على «عرش النظام العالمي»

إذا كانت الأهداف المعلنة تتعلق بإيران، فإن الأهداف المضمرة والمخفية تتعلق بـ «العالم» بأسره، حيث تتحوّل إيران إلى مجرد رقعة شطرنج في صراع كوني أوسع:
• حرب «الطاقة» ضد التنين الصيني: تُمثل إيران الركيزة الأساسية لمشروع «الحزام والطريق» في منطقة الخليج. وعبر فرض «الحصار المزدوج» (Dual Blockade) في أبريل 2026، وجهت واشنطن ضربة قاصمة لـ «الأمن الطاقي» الصيني، بهدف حرمان بكين من شريك نفطي استراتيجي مستقل عن نقاط الاختناق البحرية الأميركية. 
• تأديب «التمرد الرقمي» وحماية سيادة الدولار: الضربات السيبرانية الأميركية في مارس استهدفت «الأعصاب الرقمية» لأنظمة الالتفاف على العقوبات (الكريبتو). الرسالة المضمرة كانت لكل دول «بريكس»: «من يحاول الخروج من عباءة الدولار، سيواجه انهياراً بنيوياً شاملاً».
• المختبر الحربي لأسلحة المستقبل: وفرت الجغرافيا الإيرانية المحصنة لواشنطن «ميدان تجارب» حياً لأسلحة الجيل السادس والذكاء الاصطناعي (AI-Swarming)، وهي بيانات ستحدد تفوّق أميركا العسكري ضد خصوم من وزن روسيا أو الصين.

ثالثاً: «فراغ الحلفاء» وعقيدة بوزان للأمن الإقليمي

أحد أعمق أسباب التحوّل نحو «الخنق الصامت» في أبريل 2026 كان العزلة الأميركية النسبية داخل حلف الناتو:
• عقيدة «باري بوزان» والارتباط الأمني: وفقاً لمدرسة كوبنهاغن للأمن، تعيش أوروبا في «مركب أمني إقليمي» متصل جغرافياً بإيران. أي انهيار شامل للدولة الإيرانية سيعني موجات لاجئين وانقطاعاً كارثياً للطاقة؛ لذا مارست أوروبا ضغطاً هائلاً ضد استمرار الحرب الشاملة، مما أجبر واشنطن على اختيار طريق «الحصار البحري المطبق» كحل وسط.

رابعاً: الاستراتيجية البديلة.. «الموت بالتقسيط» والحصار الشامل

ركّز الخطاب الرسمي لإدارة ترامب عند انطلاق الحرب على ثلاثة أهداف رئيسية: تدمير البرنامج النووي، شل القدرات الصاروخية، وتغيير سلوك النظام. إلا أن الميدان كشف عن تحديات بنيوية أدت إلى تبديل التكتيكات:
صمود «التحصينات السحيقة»: كشفت تقارير الاستخبارات العسكرية أن إيران نجحت في حماية مراكز ثقلها النووي والصاروخي تحت جبال زاغروس على أعماق تتجاوز قدرة القنابل الخارقة للتحصينات. هذا الواقع جعل الحسم العسكري الكامل يتطلب إما غزو بري شامل (وهو ما ترفضه واشنطن تجنّباً لحروب استنزاف طويلة) أو استخدام أسلحة غير تقليدية، مما دفع الإدارة الأميركية نحو «الهدنة التكتيكية» لإعادة تقييم بنك الأهداف.
الخداع الاستراتيجي وإعادة التذخير: يُنظر إلى توقف القصف في أبريل 2026 كجزء من «خديعة كبرى»؛ تهدف لمنح القوات الأميركية وقتاً مستقطعاً لسد العجز في مخزونات الذخائر الذكية، وفي الوقت نفسه دفع القيادة الإيرانية نحو حالة من «الاسترخاء الأمني» لاستدراجها نحو أخطاء تكتيكية تكشف ما تبقى من منشآتها المخفية.
انتقلت إدارة ترامب مع نهاية أبريل من «العمليات الحركية» إلى «العمليات القسرية الشاملة»:
• الحصار البحري كبديل استراتيجي للقصف: الرهان الأميركي الحالي هو تحويل إيران إلى «جزيرة معزولة» اقتصادياً، مما يؤدي لجفاف المنابع المالية التي تغذي أجهزة النظام وأذرعه الإقليمية، لتتساقط أوراقه كخريف سياسي دون كلفة عسكرية إضافية.
• الرهان على «سيكولوجية الجوع»: واشنطن تراهن على أن «الخنق الاستراتيجي» سيولد انفجاراً داخلياً أو يجبر القيادة على قبول «صفقة مهينة» تحت ضغط البقاء، وهو ما ينسجم مع عقلية ترامب «البراغماتية» التي تفضل الانتصارات الاقتصادية المحسومة.

الخاتمة والسيناريوهات.. هل تصمد إيران أم تتجدّد التراجيديا؟

مع نهاية أبريل 2026، يبدو أننا وصلنا إلى «استراحة محارب» قلقة. إن قدرة إيران على الصمود أو احتمال تجدّد الحرب يعتمد على ثلاثة سيناريوهات رئيسية لهذه التراجيديا الجيوسياسية:
السيناريو الأول: الصمود القاسي والتعايش مع الحصار أن تنجح إيران في تفعيل «اقتصاد المقاومة» بأقصى درجاته، مستفيدة من قنوات تهريب خلفية مع قوى آسيوية، ومراهنة على أن الوقت سيرهق الإدارة الأميركية مع اقتراب موسم الانتخابات أو حدوث أزمة طاقة عالمية تجبر واشنطن على تخفيف القيود. هذا السيناريو يتطلب تماسكاً داخلياً فولاذياً تحت وطأة جوع حقيقي.
السيناريو الثاني: «الانتحار العسكري» لكسر الحصار (تجدّد الحرب) أن تصل طهران إلى قناعة بأن «الموت بالحصار» أمر واقع، فتقرر القيام بعمل عسكري انتحاري واسع النطاق (مثل إغلاق مضيق هرمز فعلياً أو استهداف منشآت نفطية إقليمية كبرى). هذا سيؤدي فوراً إلى تجدّد الحرب بصورة أكثر وحشية، حيث ستنتقل واشنطن من «القصف الجراحي» إلى «الأرض المحروقة» لتدمير قدرة الدولة الإيرانية على العمل ككيان سياسي.
السيناريو الثالث: «الصفقة المرة» (تجرع السم) أن تؤدي الضغوط الداخلية والحصار إلى قبول القيادة الإيرانية الجديدة بتقديم تنازلات «مؤلمة» فيما يخص البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي مقابل بقاء النظام. هذا السيناريو يمثل «الانتصار الصامت» لترامب، حيث يحقق أهدافه دون رصاصة إضافية، لكنه يترك جمرة الغضب مشتعلة تحت الرماد في انتظار فرصة تاريخية أخرى للثأر.
الخلاصة: إن إيران اليوم أمام خيار بين «الخنق البطيء» أو «المواجهة الشاملة». وبناءً على المعطيات الميدانية، فإن احتمال تجدد الحرب يظل قائماً بنسبة كبيرة ما لم تظهر «معجزة دبلوماسية» توازن بين غطرسة القوة الأميركية وحاجة النظام الإيراني للبقاء. إن حرب إيران 2026 لم تنتهِ في أبريل، بل غيّرت جلدها وأدواتها فقط. لقد تحوّلت من «حرب مرئية» تقودها القاذفات، إلى «حرب صامتة» تقودها الخوارزميات والحصار المالي. الأهداف المعلنة كانت مجرد «ستار دخاني» لأهداف أعمق تتعلق برسم ملامح القرن الحادي والعشرين وإعادة تأكيد الهيمنة الأميركية. يبقى السؤال: هل سينجح «الخنق الصامت» في انتزاع ما عجزت عنه الصواريخ؟

* وزير سابق