د. جيرار ديب
أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الإثنين 8 حزيران الجاري، رفض ما وصفها بـ«محاولة فرض النظام الإيراني معادلة جديدة»، مؤكداً أن إسرائيل لن تقبل بربط استهدافها باستهداف الضاحية الجنوبية في لبنان.
تتصاعد تداعيات المواجهة العسكرية بين طهران وتل أبيب مع تبادل الهجمات العسكرية بينهما، إذ كشفت القناة 12 الإسرائيلية استعداد الجيش الإسرائيلي لإمكانية استمرار القتال لفترة طويلة تزامناً مع إعلان وسائل إعلام إيرانية، إطلاق صواريخ من إيران ولبنان باتجاه الأراضي المحتلة.
هذه الجولة الثالثة من القصف المتبادل بين تل أبيب وطهران، بعد جولتين أفضيتا إلى دخول إسلام أباد بمثابة وسيط يعمل على إرساء واقع التسوية في المنطقة. قد لا تنطبق على هذه الجولة، مقولة «الثالثة ثابتة»، ولا سيما إن ما يميّز هذه الجولة هو إن إيران هي من بدأت تنفيذ اطلاق موجات من الصواريخ على مستوطنات الشمال الإسرائيلي وهي من أنهتها. على اعتبار أنّ الإسرائيلي قام بخرق المعادلة التي سعت إيران لإرسائها «الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل الشمال الإسرائيلي».
رفض نتنياهو لرسم المعادلات لن يغيّر في الواقع ولا الوقائع، حتى لو أعاد الكرّة في قصف جيشه أهدافاً في بيروت يحدّدها. فهذه الجولة خرج منها الإيراني محقّقا مكاسب فهو أرادها لإعادة تعزيز الثقة بقدراته العسكرية الرادعة عند البيئة المؤيدة له في لبنان، والتي لطالما تململت من عدم الردّ الإيراني على الاعتداءات المتكررة من قبل الإسرائيلي على مناطقه في لبنان، تحديداً الجنوب الذي يشهد على تدمير ممنهج لقراه ومناطقه.
طالب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بعد تنفيذ إيران وعدها بإطلاق الصواريخ من الحكومة الإسرائيلية عدم الردّ تجنّباً لإفشال جلسات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران والتي كادت أن تصل إلى خواتيمها. الإصرار الأميركي يتقاطع مع القبول الإيراني بعدم الذهاب بعيداً في حرب مفتوحة رغم التهديدات التي أطلقها الكثير من قياديي الحرس الثوري، فهذه الجولة كانت بمثابة عرض عضلات بين الإسرائيلي والإيراني.
إذ في الوقت الذي اختبر الإيراني خلال أقلّ من يوم، جهازية وكلائه في المنطقة واستعدادهم للخوض أي حرب مستقبلية في حال توسّعت. فإضافة إلى تنسيق الضربات بين حزب الله والحرس الثوري في توجيه ضربات صاروخية مزدوجة على الشمال الإسرائيلي، كان هناك رضى إيراني على تهديدات أنصار الله بإغلاق تام للبحر الأحمر أمام السفن الإسرائيلية، ورغم قرار الحكومة العراقية بحصرية السلاح، خرجت الفصائل الموالية لطهران بتهديد بتنفيذ ضربات على مصالح واشنطن في المنطقة إن استمرت الحرب.
حققت إيران مكاسب تفاوضية خلال ساعات، رغم إعلان مقر خاتم الأنبياء الإيراني، وقف العمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي، عقب جولة قتال دامت نحو 14 ساعة. نصف نهار تقريباً كان كافياً للإيراني لتعزيز حضوره على طاولة المفاوضات مع واشنطن، ليس فقط من خلال إظهار قدراته الصاروخية رغم الحديث الأميركي عن تدمير أكثر من 70%، لكنّه استطاع فتح جبهة قتالية دائمة مع الإسرائيلية بهدف استنزافه عسكرياً واقتصادياً، وهي جبهة باب المندب والبحر الأحمر مع حركة الحوثيين في اليمن، التي لم تزل تطلق صواريخها ومسيّراتها إلى العمق الإسرائيلي رغم إعلان إيران وقف تنفيذ الضربات.
14 ساعة كانت أيضاً كافية بالنسبة إلى الإسرائيلي، الذي كان يحتاجها بعد سلسلة من التصاريح الترامبية لصحيفة «فايننشال تايمز»، والتي أكدّ خلالها أنّ القرار بالحرب والسلم يعود إليه. فإن الرد الإسرائيلي على الضربات الصاروخية الإيرانية، رغم طلب ترامب بعدم الردّ عززّ موقف نتنياهو في الداخل هو الذي ينتظره استحقاق انتخابي للكنيست. لقد طالته سلسلة من الهجمات التي ركّزت على ضرب الحضور الإسرائيلي في ظلّ قيادة ترامب، فالرجل بات مستبعداً حتى من المشاركة في القرارات المصيرية في المنطقة.
ليس هذا وحسب، فنتنياهو المتوجس من ملاحقته قضائياً، يجد في افتعال الحروب هروباً إلى الأمام. فهي بالنسبة إليه تشكّل باباً لتأجيل جلسات محاكماته علّ في هذا يستطيع ترامب من إقناع الرئيس الإسرائيلي لإسقاط الملاحقة عنه. لقد قامت المحكمة المركزية الإسرائيلية الاثنين 8 حزيران في القدس من تأجيل وإلغاء جلسات محاكمة نتنياهو في قضايا فساد، بسبب التوترات الأمنية.
في ظلّ التوتر الإيراني - الإسرائيلي والقابلة على الاشتعال مجدّداً، إلّا أن المتوقع أن يبقى إيقاعها مضبوطاً بعدما أظهرت الحرب بينهما أنّ هناك من يسجل حضورياً قوياً من خارج المنطقة، وهو اللاعب الباكستاني. هذا اللاعب الذي لم يكتفِ بدور الوسيط، فهو يعتبر أنّها فرصة مناسبة لمدّ نفوذه في المنطقة مستغلاً حالة التوتر القائمة، وعجز واشنطن على لعب دورها التاريخي، الخصم والحكم معاً.
على ما يبدو كانت جولة توزيع الأرباح بين رضى إيراني وعدم امتعاض إسرائيلي، والحافظ الباكستاني على جدية دوره، في المقابل أتت تصاريح ترامب الثلاثاء 9 حزيران الجاري لتعيد الاعتبار الى الضامن الأميركي بعد اتصاله بنتنياهو والإصرار على التزامه بالموقف الأميركي، أو يحارب وحيدا.