في السادس والعشرين من حزيران الفائت، وقّع سفيرا لبنان وإسرائيل في مقر وزارة الخارجية الأميركية، على اتفاق إطاري وصفته بيروت بأنه «خطوة أولى على طريق استعادة السيادة». وأعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هذا الاتفاق جنباً إلى جنب مع سفيري البلدين، بوصفه لبنة أولى نحو السلام. غير أن هذا المشهد الدبلوماسي الاستثنائي، الذي كان اللبنانيون الملتزمون بسيادتهم الوطنية وانتمائهم العربي يرجون أن يكونوا في غنى عنه، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقه المأساوي، بل هو الإدانة الكبرى للمشروع الإيراني الذي أسقط ورقة التوت عن سيادة البلاد؛ فلبنان يجلس على طاولة التفاوض لا من موقع الدولة السيّدة، بل من موقع الضحية التي سُحقت واُستنزفت. إن جر إيران وحزبها إسرائيل إلى حربين تدميريتين أطاحتا بالبنية التحتية لبيئتهما الحاضنة قبل غيرها، هو الذي أوجب على الدولة اللبنانية مكرهة ومثقلة بالدماء القبول باتفاق واشنطن لإنقاذ ما تبقى منها، ودفعها إلى مربع لم تكن ترغب في ارتياده، وهو خوض مفاوضات إلزامية ومباشرة برعاية أميركية لإنهاء جنون مغامرات لم يكن للشعب اللبناني أو لشرعيته أي خيار فيها.
• الجريمة الأولى: إسناد غزة (أكتوبر 2023)
في الثامن من تشرين الأول 2023، أي بعد يوم واحد فقط من عملية طوفان الأقصى، أطلق حزب الله صواريخ موجّهة وقذائف مدفعية على مواقع إسرائيلية، بهدف معلن تمثّل في إسناد المقاومة في غزة. لم يُشاور الحزب الدولة اللبنانية، ولم يستأذن المجلس النيابي ولا الحكومة، بل أصرّت قيادة الحزب على ربط مصير جنوب لبنان بجبهة غزة، معتبرة أن ما قام به الحزب منذ ثمانية أكتوبر غير مسبوق من حيث الاستراتيجية القتالية. وبهذا القرار الأحادي المصادَر، تحوّل لبنان إلى طرف في حرب لم يختَرها، وبُنيت هذه النظرية على مفهوم «وحدة الساحات» الذي صاغته طهران وأملت به على وكيلها المحلي، وهو مفهوم جعل من لبنان وشعبه مجرد حقل تجارب ووقود للنيران في استراتيجية إقليمية إيرانية خالصة، لا علاقة لها بمصالح اللبنانيين الحيوية أو أمنهم القومي.
• الجريمة الثانية: إسناد إيران (مارس 2026)
لم تكتفِ طهران بما دفعه لبنان في الجولة الأولى، بل مارست أبشع صور الاستغلال؛ إذ لم ينتظر حزب الله أكثر من ثمانٍ واربعين ساعة بعد بدء المواجهة الأميركية - الإسرائيلية مع إيران في أوائل عام 2026، حتى انخرط في «حرب إسناد» ثانية، مستعيداً سيناريو 2023، رغم أن نتائج جولة الإسناد الأولى جاءت بالوبال والدمار الشامل على الحزب وبيئته وعلى لبنان برمّته. وقد فاجأ هذا القرار الأوساط السياسية اللبنانية، لا سيما أن الحزب كان قد أرسل إشارات تطمينية ومضللة للقادة السياسيين قبل الثاني من مارس تفيد بعدم رغبته في المشاركة بالأعمال القتالية، تماماً كما فعل خلال مواجهة الاثني عشر يوماً بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران في حزيران 2025.
والسؤال الجوهري هنا هو: لماذا قاتل حزب الله إذن؟ وفقاً لما نقل عن مسؤولين في الحزب، فإن الحسابات استندت إلى تقييم مفاده أن مشاركة الجماعة ستجعل من لبنان جزءاً من جدول أعمال المفاوضات الأميركية - الإيرانية، وأن الضغط الإيراني قد يضمن وقف إطلاق نار أكثر تماسكاً لطهران. بمعنى آخر، تعمّد حزب الله إقحام لبنان وتدمير بيئته الحاضنة ليسحب أشلاء الوطن ويستخدمها ورقة تفاوضية رخيصة في خدمة المصالح الإقليمية للنظام الإيراني.
• الثمن الكارثي والمفارقة الصارخة
الأرقام الموثقة تكشف حجم الفاتورة الباهظة والقاتلة التي تكبّدها لبنان وحده؛ ففي حرب الإسناد الأولى بين عامي 2023 و2024، أكّد البنك الدولي أن الحرب كلّفت لبنان ما لا يقل عن 8.5 مليار دولار من الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية، وأن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي انكمش بنسبة 7.1% في 2024، مما أدّى إلى انخفاض تراكمي في الناتج بنحو 40% منذ بداية الأزمة الاقتصادية عام 2019.
أما في حرب الإسناد الثانية التي اندلعت بين اذار وحزيران 2026، فتشير بيانات وزارة الصحة اللبنانية إلى مقتل 3783 شخصاً على الأقل وإصابة 11699 آخرين، من بينهم 247 طفلاً و363 امرأة و133 من الكوادر الصحية. والمفارقة الصارخة هنا هي أن هذه الخسائر البشرية المروعة في لبنان تجاوزت عدد القتلى المعلن في إيران ذاتها خلال مواجهاتها المباشرة مع المعسكر الآخر، ما يعني أن لبنان ومواطنيه في الجنوب وضاحية بيروت كانوا يموتون ويهجّرون نيابة عن طهران وحمايةً لعمقها، بينما تشير تقديرات وزارة المالية إلى أن الحرب ستؤدي إلى انكماش إضافي للاقتصاد اللبناني بنسبة لا تقل عن 7% هذا العام.
• الخطيئة التاريخية: مصادرة إنجاز عام 2000
إن هذا المستنقع الدبلوماسي والعسكري لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج نهج مستمر من الاختطاف وعرقلة قيام الدولة؛ فمنذ انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، منعت طهران عبر وكيلها المحلّي الدولة اللبنانية من استثمار هذا الإنجاز السيادي التاريخي. وعوضاً عن ترك الساحة للشرعية اللبنانية للتوصل إلى اتفاق نهائي وحاسم عبر وسطاء دوليين محايدين لتثبيت حدود لبنان البرية والبحرية والنفطية بشكل كامل ومستدام، حرص حزب الله على إبقاء هذه الجبهة مفتوحة ومقيدة برغبات قادة الحرس الثوري. كان الهدف الإيراني واضحاً وخبيثاً: منع قيام دولة طبيعية ومستقرة، والإبقاء على الجنوب اللبناني كمنصة صواريخ وصندوق بريد عسكري، وتوظيف الجغرافيا اللبنانية كساحة دائمة لخوض حروب الآخرين بالوكالة على أرضه، مما فوّت على اللبنانيين عقوداً من الاستقرار والتنمية والازدهار الاقتصادي والنفطي وثبّت فكرة الاستباحة.
• اتفاق واشنطن والاضطرار للمفاوضات المباشرة
نتيجة لهذا التعنت الأعمى وحروب الإسناد العبثية التي دمرت البشر والحجر، لم يترك حزب الله للدولة اللبنانية أي هامش للمناورة؛ حيث تسببت النكبة الاقتصادية والاجتماعية والانهيار الشامل في دفع الدولة اللبنانية مكرهة نحو القبول باتفاق واشنطن الإطاري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإيقاف شلال الدم، في غياب تام للحزب الذي هرب من التبعات بعد أن تسبب في الكارثة. والتزمت حكومتا لبنان وإسرائيل بموجب هذا الاتفاق بعملية متبادلة ومتسلسلة يستعيد فيها الجيش اللبناني سيادته الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، يقابله انسحاب تدريجي للاحتلال الاسرائيلي، ريثما يتم التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة وتفكيك بنيتها التحتية المموّلة إيرانياً.
وبالمقارنة، نجد تراجعاً هائلاً في الموقف اللبناني فرضه منطق القوة؛ فبينما أُبرم مسار عام 2024 بعد جولات من المفاوضات غير المباشرة ونص على بسط سلطة الجيش جنوب الليطاني تنفيذاً للقرار الدولي 1701 مع انسحاب إسرائيلي كامل، جاء اتفاق عام 2026 نتيجة مفاوضات إلزامية مباشرة قادتها واشنطن، وتحدث عن إنشاء «مناطق تجريبية» تتولى فيها القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية، مع بقاء القوات الإسرائيلية في منطقة «الخط الأصفر» إلى حين نزع سلاح الحزب وتفكيك بنيته العسكرية. وبكلام أوضح، بات لبنان يفاوض على صيغ تجريبية ويقبل بوجود عسكري مؤقت على أطرافه، بعد أن كان الحزب يتبجح بـ «معادلات الردع» التي لم تورث بيئته والبلاد سوى الخراب والتنازلات السيادية القاسية.
• طهران تقبض الثمن ولبنان يدفع الفاتورة
وفيما صرّح السفير الإسرائيلي في واشنطن معلقاً على الاتفاق الثلاثي بأن إيران وحزب الله باتا خارج المعادلة، كانت طهران قد قبضت ثمن دماء اللبنانيين وأشلاء قراهم في الجنوب والضاحية والبقاع؛ إذ أبرمت اتفاقها الخاص بشأن ملفها النووي مع واشنطن في منتصف حزيران محققةً مكاسب سياسية ومالية تضمن استمرار نظامها، ومخلفةً وراءها الساحة اللبنانية لتنزف وحدها وتواجه تبعات دمارها الاقتصادي والاجتماعي دون أي التزام إيراني حقيقي بإعادة الإعمار. إن قرار الدخول في جولة المواجهة الأخيرة كان مجرد «مغامرة كبرى واستراتيجية بقاء» للحزب وبتوجيه إيراني مباشر، لضمان مقعد على طاولة التسويات الإقليمية، دون أي اعتبار للكلفة الوطنية المروعة.
• ثمن الوصاية بالوكالة
يمكن تلخيص المشهد بأكمله في حقيقة مروعة: إيران خاضت حروبها بالوكالة على أرض لبنان وبدماء أبنائه، وحرمت الدولة منذ عام 2000 من تثبيت حدودها واستقرارها السيادي والنفطي، ثم ذهبت لتفاوض على مصالحها الخاصة في ملفها النووي، تاركةً الشرعية اللبنانية وحيدة في واشنطن لتفاوض على أنقاضها وتنقذ ما تبقى من أشلاء الوطن. إن هذا الاتفاق هو الإدانة الرسمية والتاريخية لمشروع «الدويلة داخل الدولة»، وإثبات قطعي بأن ارتهان قرار السلم والحرب لأجندة الولي الفقيه لا يجرّ على الوطن إلا الويلات والخراب، وطالما بقي السلاح غير الشرعي مصادِراً لقرار الدولة، سيبقى لبنان ساحة مستباحة لحروب الآخرين، ومجرد استراحة مؤقتة بين كارثتين.