خطان متوازيان عندنا، في الأفق، لا ندري أيهما يتوقف بنا، ليتم تصعيدنا إلى الخط الآخر:
١- خط التهديدات بكل حمولته الساخنة والباردة، المنظورة والمنتظرة.
٢- وخط المفاوضات، بكل تعاريجه، وبكل حركته اللولبية والعنكوبية.
وأما ما بين الخطين، فقد بان منذ يومين خط المناوشات العسكرية بين إسرائيل وإيران مباشرة، لا بالواسطة. وهذا الخط يحتكُّ:
مرة، بالخط الأول، ويحدث بعض السخونة، على التهديدات المستمرة، والتي لا تتوقف، إلّا لتبدأ من جديد.
ومرة أخرى يحتكّ بالخط الثاني، بحيث يسرّع في حلحلة العقد، التي تظهر. وربما يحدث «ماسا قويا»، يقولون إنه يؤدي إلى إنفجار لا تحمد عقباه، لأنه سيشعل المنطقة كلها بشكل مرعب، لأنه إذا ما إبتدأ بالأسلحة الخفيفة، مثلما يجري اليوم بقنص الرجال في البيوت والسيارات وعلى الطرقات، بالطائرات والصواريخ والمسيّرات، فإنه سرعان ما ينتقل إلى حرب شرسة، تستعمل فيها كل الطاقات والأسلحة الثقيلة والحديثة والمعقّدة، وتصبح الكلمة للميدان.
هذا الإحتمال يحذّر من تنكبه الجميع: وفي طليعتهم الإسرائيليون والإيرانيون، لأن كلا الطرفين هما في الواقع، أصل البلاء.
وضعت حرب السابع من أوكتوبر 2023 (طوفان الأقصى)، جميع الأطراف المشاركة وغير المشاركة، إما أمام خيار الإنغماس فيها بهذا الشكل أو ذاك، أو إما أمام خيار الترقّب والرصد والوقوف على ضفة النهر، وترك العداد يحصي ويعدّ.
الخسائر التي ظهرت عند هذا الطرف أو ذاك، جعلت بعض القوى تنسحب من المعركة باكرا، تماما كما جعلت بعض القوى الأخرى تتأرجح بين الخروج من عدمه، تبعا لتوالي العمليات، وكيف كانت تؤثر على الميدان، بإعتبار القاعدة التي وضعت: إن الكلمة للميدان.
ما يلوح في الأفق الآن، أن نذر المناوشات تقوى يوما بعد يوم. وهي جميعها تشي، بأن الإقليم كله أمام خطر إنفجار الحرب. ولهذا بدأنا نسمع كلاما أقوى مما كنا نسمعه قبل الآن، وأن الوقت بدأ يضيق علينا، حتى نعرف كيف نتحسّب لجميع التوقّعات، وكيف نحفظ رأسنا، من حرب إسناد إيران، بعد خسارتنا المدوية، في حرب إسناد غزة. وبات علينا أن نفهم: هل الحرب على غزة مثلها الحرب على إيران؟..
المطلوب اليوم وبإلحاح شديد، رصد المسار بدقّة، وعدم التلهّي وإضاعة الوقت. نتعلّم من أخطاء الرصد السابقة والتي أودت بنا إلى الكارثة. فلم يعد بين يدنا الكثير من الأوراق حتى نناور بها. وكذلك الأمر، فلم يعد بين يدينا الكثير من الوقت. وليس في الأفق ما يدلّ على أن لنا أي إعتبار إلّا لزوم الدار. والمناداة على مراكز القوى بأعلى الصوت: أن هذه الحرب ليست حربنا. وأنه لا ناقة لنا فيها، ولا جمل. فهل نستجيب لصوت العقل، ونلزم داراتنا؟
جميع القوى في لبنان، هي اليوم على المحك، فأي منها يجب أن يقوم برصد المسار جيدا، فيعرف أن الأمور صارت واضحة وضوح الشمس، فلا داعي بعد اليوم اللهمس. واللعبة بين إسرائيل وإيران أصبحت مكشوفة، غداة التلاقي على مشروع النووي الإيراني، رفضا وإصرارا. والتنازلات بجميع درجاتها، وبجميع مندرجاتها، لم تعد خارج طاولة المفاوضات القائمة بين هذين الطرفين، وباتت جميع القوى القوية متهيّبة، مما تنتهي إليه هذه المفاوضات، خصوصا وأن الإيرانيين، ما عادوا يأبهون لأصوات حلفائهم، فكيف يأبهون إذا لأعدائهم.
فالجنون والعتو والتعنّت والغلو، لمما يوصف به الإسرائيلي، وأيضا الإيراني، لِمَ لا، وقد وضعنا بلادنا كلها، في بنك أهداف العدو، وسلّمنا رقبتنا للإيراني منذ قررنا إسناد غزة، ثم مضينا لاتفاق وقف النار بأرجلنا، بلا خيار آخر. وصرنا نرى يوما بعد يوم كيف تتعقّبنا إسرائيل، وتطالبنا بتنفيذ عهودنا وتعهداتنا، وإلّا ستمضي في قضم سمائنا، مثلما بدأت في قضم أرضنا.
رصد المسار، بعد إطلاق شرارة الحرب الفعلية على مشروع «النووي الإيراني»، هو الحل. يجب أن يكون في سلّم أولوياتنا. وحذار أن نبيع المواقف في «مرسح النيران»، لأن إسرائيل يسهل عليها الإنتقام منا، فأرضنا أو سماؤنا مكشوفة لهم، فلا سلاح لدينا للدفاع عن شعبنا، إلّا ورقة إتفاق وقف النار، فكيف لنا أن نضحّي بها، والنار مشتعلة حولنا.
رصد المسار، هو أجدر بنا اليوم، حتى نتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وحذار أن نرمي بأنفسنا إلى التهلكة. فنحن أمة الأحزان والأوجاع والنكبات والخسائر والهزائم: نقولها جهارا ونهارا، بلا خجل من دموع نسائنا وأطفالنا وحتى رجالنا وشهدائنا: نحن خسرنا الودائع، ونحن خسرنا الحرب، ونحن خسرنا الدار والرزق.
قلنا: المعركة للميدان، فجال العدو علينا من حيث لم نحتسب. وضعنا رأسنا تحت أجنحة الهزائم والخسائر، مثل «مالك الحزين». ودعونا الثعلب الإسرائيلي إلى خمّنا.
دعونا نحافظ على تعهداتنا أمام عيون الدول التي رعت إتفاق وقف النار. فما بالنا نستمر في جرّ العدو من جديد إلى الدار.
رصد المسار، قولا واحدا، هو السبيل لمواجهة ما يُعدّ لنا. تعالوا نتوحّد عليه، ولا ندع للإسرائيلي سبيلا إلينا. تعالوا نعلي أسوار وحدتنا الداخلية على قاعدة من رصد المسار، وتسليم السلاح لدولتنا، لندخل في شريعتها ومشروعيتها. وسيكون لنا بعد ذلك، إذا ما وقعت حرب الأعداء والأصدقاء علينا، للحديث بقية...