رفيق الحريري.. الغائب الحاضر
حجم الخط
تطل الذكرى الثالثة عشرة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، وما زال طيفه يحوم في أرجاء الوطن، وروحه ترفرف في سمائه، وذكراه العطرة على لسان كل من عرفه ومن تمنى لو سنحت له الفرصة للتعرف عليه.
وبيروت التي أغرمت به وعشقها عشق الحبيب لحبيبته تعيش منذ اغتياله على ذكريات لقاءاتها معه ووقوفها إلى جانبه في الأيام الحلوة والأيام المرّة خصوصاً في انتخابات الـ 2000 وفي الفترة الفاصلة بين اعتذاره عن تأليف الحكومة واغتياله. وتستذكر إنجازاته الكبيرة إن كان على مستواها أو على مستوى الوطن، من إقامة شبكة واسعة من الطرق السريعة، ومطار يليق بسيدة العواصم العربية وبالقادمين إليها والمسافرين منها، ومستشفى جامعي كبير مجهز بأحدث التجهيزات الطبية، ومجمع جامعي موحّد كي تكون الجامعة اللبنانية مكاناً للتلاقي والاندماج والحوار بين الشباب اللبناني من كل المشارب، وشبكة مدارس موزعة في مناطق عدة من بيروت. وإعادة ترميم السرايا الحكومية حتى أضحت معلماً فنياً رائعاً، وبناء وترميم الوسط التجاري حتى بات مقصداً للبنانيين والسياح لتميّزه بتاريخه العريق وتراثه المعماري الخلاب.
ما تركته لنا أيها الرئيس الشهيد كان عظيماً، ونحن نعلم أنك لم تكن تحلم فقط بأن ترى بيروت أجمل مدينة في العالم، بل كنت تعمل على ذلك من خلال تطوير مرافقها وبناها التحتية، وتجميلها وتأمين كل الخدمات الأساسية لها. لم نكن نسمع منك وعوداً، بل كنا نرى إنجازات على الأرض، وهذا ما جعلك في نظرنا نحن البيارتة كبيراً، وبمنزلة الأب والأخ والصديق. وأبى القدر الذي لا مردّ له إلا أن يبعدك عنا قبل أن تحقق حلمك.
بيروت اليوم ليست كما كانت يوم سقطت على أرضها مضرجاً بدمائك الطاهرة.. فكل إنجازاتك تعاني الإهمال وتسلّط قوى الأمر الواقع عليها، فمجمع الجامعة اللبنانية لم يعد مركزاً للحوار والتلاقي بل أصبح مجمعاً حزبياً وحركياً. ولم يعد مستغرباً مشاهدة حفلات اللطم والندب في صالات المطار. والمستشفى الجامعي يئن من الديون ويعجز عن مجاراة التقدم العلمي. والوسط التجاري الذي كنت تفخر به وتحب تناول القهوة في أحد مقاهيه يعاني الشلل، وربما لم تعد تجديه نفعاً محاولات إعادة تنشيطه بعد فكّ الحصار الطويل عنه.
وفي هذه الذكرى نستذكر خصالك الحميدة وأخلاقك الرفيعة وترفّعك عن الصغائر وابتعادك عن المماحكات والمهاترات والمحاصصات، وإيثارك المصلحة العامة على المصلحة الفئوية أو الخاصة، وحبك لبيروت والتفاني في خدمتها، ودفاعك عن الوطن وجهودك في ترسيخ العيش الواحد بين مكوّناته.
نستذكر في هذه الأيام الصعبة التي يمرّ فيها لبنان نهجك الوطني، ومسيرتك الرائدة، ورؤاك الثاقبة، وإقدامك من دون تهور، وثقتك العالية بنفسك وبشعبك وبوطنك، وعلاقاتك الوثيقة بقيادات العالم، وحكمتك وحلمك وصبرك فيقيادة البلاد والتعامل مع الشدائد وعدم ترك الأمور تفلت من الزمام.
في ذكرى استشهادك نستذكر خصالك ومآثرك وإنجازاتك أكثر من أيّ وقت آخر، فأنت تعيش في وجداننا منذ ذلك اليوم المشؤوم. ونعاهد روحك التي ترفرف في سماء لبنان بأننا على الوعد والعهد مستمرون، وأنّ ذكراك ستبقى خالدة في قلوبنا.
رفيق الحريري.. الغائب عنا والحاضر بيننا.. نفتقدك، ونفتقدك أكثر في هذه الظروف حيث الأجواء ملبدة بغيوم حرب إقليمية طاحنة، ولا أدري مدى قدرة السلطة السياسية، التي ليس بيدها قرار الحرب والسلم، على إبعاد لبنان عن تجرّع كأس السم.






