بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 تشرين الثاني 2025 12:00ص في أي ظرف نُفاوض دولة إسرائيل؟

حجم الخط
إنّ قضية حفظ وصيانة الأمن الوطني تتطّلب جهوداً مُضنية ومتكاملة من قبل أجهزة الدولة الرسمية (رئاسة الجمهورية، المواد: 49 - 50 - 52، رئاسة مجلس الوزراء المواد: 64 (الفقرة الأولى منها) - 65، مجلس النوّاب المواد: 16 - 18) مهام هذه السلطات تشمـل تعـزيز القدرات العسكرية والدفاعية وحماية الدولة وأجهزتها المدنية والعسكرية كما حماية الحدود وفقاً لنص قانون الدفاع الوطني اللبناني (المرسوم الإشتراعي رقم 102 وتعديلاته) ومن المفترض بالسلطات القائمة وفقاً للآلية الدستورية تنمية الجوانب الاقتصادية والإجتماعية ومكافحة الإرهاب والجريمة وتعزيز ثقافة الإنتماء الوطني الصرف والوحدة الوطنية، وتفعيل دور المواطنين اللبنانيين في الإبلاغ عن الممارسات المشبوهة التي تعكِّـر الأمن الداخلي والإقليمي والدولي والتعاون المحصور بالقوى الأمنية الشرعية حصراً.
في علم العسكر إنّ الأمن الوطني يعني المحافظة على السلامة المادية للدولة وأراضيها والحفاظ على علاقاتها الطبيعية مضموناً وشكلاً (علاقات: سياسية - أمنية - اقتصادية - تجارية - ثقافية) وتتم هذه العلاقات بشروط معقولة تحكمها قواعد القانون الدولي والدبلوماسية الموزونة. إنّ الأمن الوطني يعني الحفاظ على أعـراف وقـواعد ومبادئ وقيم المجتمع والشعب والهياكل والمؤسسات المرتبطة بهما، وحمياتهما من التهديدات العسكرية وغير العسكرية، كما أنّ الأمن الوطني من المفترض أن يكون متحرِراً من الإملاءات الخارجية.
تزامناً مع ما يُطـرح عبر وسائل الإعلام عن رغبة النظام السياسي في التفاوض مع دولة إسرائيل سواء أكان بالمباشر أو بالواسطة أو بالإنابة، علمياً وإستناداً لمبادئ الدبلوماسية تُعّد المفاوضات من أفضل الوسائل التي يمكن الإستعانة بها من قبل الدول لتحقيق أهداف مختلفة لمواضيع عالقة خصوصاً في ما يتعلّق بالأمن الوطني والأمن الإقليمي والأمن الدولي. التفاوض على موضوع مُعيّن من الملزم أن يكون له قيمة التأثير الإيجابية والمادية والمعنوية التي تحدثها أدوات التفاوض ومدى إرتباط المفاوضين والمواضيع المطروحة بالوسائل الدبلوماسية السلمية التي تُطرح على طاولة البحث كدافع أساسي للجمهورية اللبنانية للإنتهاء من حالة الشواذ التي أسفرت عن سوء وضع أمني على كافة الأراضي اللبنانية والتي أدّتْ إلى حرب مُدمِّرة.
ربما يكون خيار التفاوض للنظام السياسي اللبناني أفضل السُبُل لإجتناب الحرب التي يُحكى عنها بواسطة المبعوثين العرب والأمميين، لذلك من المفترض أن يأتي التأكيد على مفهوم السلم والسيادة التامة والناجزة وإرتباطهما بسعي البعثات الدبلوماسية الجّادة لتوظيف هذه الوسيلة كطريقة للتعامـل فيما بينها وبين دولة إسرائيل بمعيّة المجتمعين العربي والدولي. في شروط التفاوض المطروح هناك عدّة نقاط مهمة يجب لفت نظر القارئ إليها ومنها على سبيل المثال وليس الحصر شروط التفاوض القانوني بين الدول تشمل وجود طرفين متنازعين ووجود نزاع وكون موضوع التفاوض مشروعاً وقانونياً مع مراعاة قـواعد القانون الدولي وعدم إستخدام القوة أو التهديد، كما من المفترض بالطرفين (اللبناني والإسرائيلي) ومن يرعى عملية التفاوض الإلتزام بمبادئ التوازن والتكافؤ وتدوين الإتفاق وتضمينه آليات لحل هذا النزاع.
في واقع عملية التفاوض إنّ مراكز الأبحاث اللبنانية والمراكز العربية والدولية تؤكد ومن خلال الواقع على الأرض إنّ الجمهورية اللبنانية كمفاوض هي في موقع ضعيف بسبب نقص موارد القوة مقارنة بدولة إسرائيل، ممّا سيجعلها ربما عرضة للإستغلال وأكثر عرضة لعدم المساواة في علاقاتها ، وبسبب ضعفها ستكون في وضع غير مُرضي عن الأوضاع التي ستنشأ وستشعُر بالظلم، وهذا الأمور تدفع مراكز الأبحاث ومركز PEAC لتقديم المشورة للنظام السياسي اللبناني للسعي نحو التغيير في قواعد اللعبة، لأنّ هذا النظام يفتقر حالياً وبسبب الأوضاع القائمة (داخلياً - إقليمياً - دولياً) إلى فرض التغيير وهو عملياً في موقع إستراتيجي متقلِّب.
ظاهرياً لا قوة تفاوضية لدى النظام السياسي اللبناني وفعلياً في حال سلك النظام عملية التفاوض من الخطأ الشائع إعتبار أنّ هناك قوة تفاوضية لبنانية سيتُّم منحها إطار الحركة المسموح لها بالسير في العملية التفاوضية لأن القرار السيادي الوطني مُصادر محلياً - إقليمياً - دولياً. دولة إسرائيل من جانبها بنتْ إستراتيجتها التي تُحاول من خلالها قصف كل ما يتعلّق بتهديد أمنها بالمباشر وبالتالي بات لها القدرة على إستعمال القوة لفرض الحل، علماً أنّ الدولة اللبنانية عاجزة أولاَ عن ضبط عملية السلاح غير الشرعي، وثانياً غير قادرة على مواجهة إسرائيل بمثل أسلوبها أو عكسه. بموجب ميزان القوى الراهن تبدو دولة إسرائيل والمجتمعين العربي والدولي في وضع أفضـل وقادرين على فرض شروط: عسكرية - سياسية - جغرافية في أي عملية تفاوض، لنستطرد متساءلين: في أي ظرف نُفاوض دولة إسرائيل؟!
كمركز أبحاث PEAC نخشى أن يقع النظام السياسي اللبناني نتيجة ما يُعرف بـ«إستراتيجية التسويف» وهذه الإستراتيجية في علم الدبلوماسية تعمل على المماطلة وكسب الوقت وتفويت الفرصة بهدف تعطيل المفاوضات أو إطالة أمدها على إعتبار أن الزمن سيكون هو العامـل الأكثر تأثيراً في المشكلة موضوع التفاوض وكذلك في سير العملية التفاوضية وإدارتها، وهنا لا بُـدّ من التذكير بأن بعض القابضين على السياسة اللبنانية يُراهنون أولاً على نهاية النصف الأول من ولاية الرئيس الأميركي حيث تنحصر المهام في الداخل، وثانياً هناك رهان على الانتخابات الإسرائيلية الداخلية التي ستُشغل الإسرائيليين بالداخل.
في أي ظرف نُفاوض دولة إسرائيل؟ قبل أي عملية تفاوض سواء أكانت بالمباشر أو بالواسطة يجب على النظام السياسي اللبناني تحسين الشروط السيادية (تطبيق قانون الدفاع الوطني ، تطبيق ما ورد في خطاب القسم والبيان الوزاري)، ويكون هذا التحسين من خلال الإستعداد الجيِّد وتحديد الأهداف بوضوح وتقوية الموقف التفاوضي من خلال ما تمّ إثارته في خطابي القسم والبيان الوزاري، كما يتطّلب الأمر الشجاعة والنزاهة الوطنية والسياسية وليس أمام النظام إلّا خيار التفاوض المبني على ثلاث ركائز: الدبلوماسية - الإستقرار السياسي - الأمن الوطني. سأنهي هذه المقالة مستشهداً بما قاله الوزير السابق الأستاذ يوسف سلامة «المسيحيون قرأوا خطأ سبب إغتيال بشير الجميل، السُنّة إخطأوا في فهم إغتيال رفيق الحريري، الشيعة يُخطئون في قراءة إغتيال رأس المقاومة، من يُخطىء في قراءة الحدث يخسر الرهان، تاريخنا يشهد، العبور من الإنتماء الطائفي إلى الإنتماء الوطني يُصحِّح قراءتنا وينقُذ لبنان»، إنتهى الإقتباس.

* كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والاقتصادية (PEAC)