د. محمد حمدان *
في الذكرى السنوية الثالثة لغياب المناضل والمفكر الوطني والعروبي المؤمن الأخ كمال شاتيلا، أردت الحديث عن أحد الجوانب التي طبعت حياته ونضاله وأخذت حيّزا كبيرا من تفكيره واجتهاده دفاعا عن الوطنية والعروبة وهو: «مخاطر المشروع الصهيوني على لبنان والأمة في فكر كمال شاتيلا» علنا نؤدّي قسطا من الوفاء والعرفان لأحد رجالات لبنان المميّزين والبيروتي الأصيل والعروبي المقدام والشجاع.
عندما نتحدث عن كمال شاتيلا فاننا نتحدث عن مناضل ومفكر وطني، عروبي، مؤمن أمضى أكثر من ستين عاما من عمره وهو يناضل دفاعا عن حقوق مجتمعه ووطنه وأمته وكان يرفض أن يقال عنه أنه رجل سياسي ويقول: «أنا داعية ولست رجل سياسة بالمعنى المتعارف عليه». لذلك اتجه الى بناء المؤسسات التي تحصّن الناشئة وتحمي المجتمع وتدافع عن حقوق الناس وتكون عونا لهم عندما تقصّر الدولة في واجباتها.
في الوقت الذي نتحدث فيه عن مخاطر المشروع الصهيوني على لبنان والأمة في فكر كمال شاتيلا، يمرّ لبنان والأمة العربية والمنطقة في وقت عصيب حيث تحاصره كل أنواع المخططات الصهيونية والأميركية المعادية التي تهدف الى تقويض الوحدات الوطنية لكل هذه الدول وتسعى لإعادة تشكيلها وفق المصالح الصهيونية والأميركية.
استلهم كمال شاتيلا رؤيته عندما أسّس اتحاد قوى الشعب العامل عام 1965، كبرى مؤسسات المؤتمر الشعبي، من مبادئ الزعيم العربي جمال عبد الناصر في التحرر والعدالة والوحدة ومناهضة الاستعمار والصهيونية.
يمكن لنا أن نوجز أبرز المحطات التي كشف فيها مخططات ومرتكزات المشروع الصهيوني وتحدث عن كيفية مواجهته كما يلي:
أولا: عام 1971 طالب الدولة اللبنانية بوضع سياسة دفاعية للدفاع عن الجنوب في مواجهة الأطماع الصهيونية في مياه لبنان وأراضيه بعد بدء العدو باحتلال مزارع شبعا والأطماع بمياه جبل الشيخ ومياه الليطاني التي كانت الوثائق الإسرائيلية تتحدث عن أهميتها بالنسبة للكيان الصهيوني.
ثانيا : عندما اندلعت الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، رفع كمال شاتيلا شعار وحدة لبنان وعروبته في مواجهة مشروع التقسيم الصهيوني ودعا الى عقد العديد من المؤتمرات الوطنية التي رفعت شعارات الوحدة الوطنية في مواجهة مشاريع التقسيم.
ثالثا : عام 1982 عقد كمال شاتيلا مؤتمرا صحافيا تحدث فيه عن وثيقة مهمة نشرتها مجلة «كيفونيم» الصهيونية حيث كشف من خلالها الصحافي يسرائيل شاحاك والكاتب اوديد بينون عن استراتيجية إسرائيل في الثمانينات والتي قدمت للمؤتمر اليهودي العالمي المنعقد في القدس في عام 1982 والتي تتحدث عن تقسيم سبع دول عربية.
رابعا: في مطلع العام 1985 تأسست هيئة أبناء العرقوب بتوجيه ودعم من الأخ كمال شاتيلا من أجل إبراز قضية احتلال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقمم جبل الشيخ الاستراتيجية فقامت الهيئة بتشكيل ملف هذه القضية وحملته الى كافة المراجع في الدولة اللبنانية. كما قادت الهيئة انتفاضة شعبية مستمرة منذ عام 1988 ولغاية التحرير عام 2000 ضد الاحتلال وعملائه ونجحت في منع التطبيع والتجنيد الاجباري في جيش لبنان الجنوبي العميل و فتح بوابات العار للعمل داخل الكيان وتعليم العبرية في منطقة العرقوب.
خامسا: في كتابه «العرب والتحديات الدولية والشرق أوسطية» الصادر عن المركز الوطني للدراسات عام 1996 يقول كمال شاتيلا: لم يتراجع القادة الصهاينة عن مشروع إسرائيل الكبرى على حساب وجودنا كعرب وعلى حساب فلسطين، وهذا ما أكده شيمون بيريز في كتابه «الشرق الأوسط الجديد».
سادسا : في محاضرة له في مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية حول المتغيّرات الدولية في مطلع العام 2023 قال كمال شاتيلا: ان الاستعمار توسّع في مناطقنا بقوة السلاح لكننا صمدنا بقوة الحضارة فبعد تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1989 برزت مواقف وتنظيرات تقول بأن أميركا أصبحت سيدة العالم وتحدث الفيلسوف الأميركي «فرنسيس فوكوياما» في كتابه «نهاية التاريخ» عن قيادة الولايات المتحدة للعالم وأن القرن الواحد والعشرين سيكون قرنا أميركيا بامتياز. نحن نقول بأن القرن الواحد والعشرين لن يكون أميركيا.
كيفية المواجهة حاليا
في مواجهة هذا المشروع الصهيوني الاستعماري التفتيتي التوسّعي والذي بدأ يطرح مفهوما جديدا لاستراتيجيته التوسعية والتي ترتكز على إقامة دول منهكة أو ضعيفة حول إسرائيل لتكون إسرائيل هي صاحبة اليد العليا في المنطقة، لا بد من طرح مجموعة من المعطيات والحلول المستقاة من فكر كمال شاتيلا ومنها:
• رفض مشروع الفتنة بكل تفاصيله والتأكيد على خطورته والتذكير بنتائج الحرب الأهلية وخطورتها التي لا تعرفها الأجيال الشابة والتأكيد على وحدة الصف الإسلامي وعلى الوحدة الوطنية كخيار للعيش المشترك ووحدة لبنان. والتمسك باتفاق الطائف بكل بنوده خاصة حق لبنان في تحرير أرضه بكل الوسائل والتمسّك بالقوانين اللبنانية التي تحرم التعامل مع العدو ورفض أي شكل من أشكال التطبيع.
• نرى ضرورة تشكيل جبهة عربية – إسلامية قاعدتها مصر والسعودية وباكستان وإيران وتركيا تعمل من أجل حماية المصالح العربية والإسلامية والتخلص من الهيمنة الأميركية ومواجهة مشروع إسرائيل الكبرى الجهنمي. لقد قدمت الحرب الحالية شاهدا ودليلا على أن القواعد الأميركية لا تحمي أي بلد عربي.
• اننا نرى بأن العالم يقف اليوم بين قوتين، قوة آفلة تدّعي امتلاك القوة وتعمل لاستمرار هيمنتها على العالم لكنها تخسر معاركها الواحدة تلو الأخرى وبين قوى صاعدة تتقدم ببطء لكن بثبات، وقد تكون المعركة الحالية هي المعركة الفاصلة بين زمن التفرّد الأميركي وزمن تعدّد الأقطاب دوليا وإقليميا كما حدث بعد معركة تأميم قناة السويس من قبل جمال عبد الناصر ضد القوتين الأعظم في ذلك الزمن فرنسا وبريطانيا وصموده وانتصاره بدعم من كل الشعب العربي فتحوّلت فرنسا وبريطانيا منذ تلك اللحظة من قوى عظمى الى قوى كبرى.
* رئيس هيئة أبناء العرقوب