قراءة دستورية في مسألة الفصل بين النيابة والوزارة
حجم الخط
أثناء الحملة الانتخابية الأخيرة، تضمنت البرامج الانتخابية لمعظم الأحزاب والتيارات السياسية دعوة صريحة للفصل بين النيابة والوزارة وكان التيار الوطني الحر والعماد (الرئيس) ميشال عون من الأوائل الذين طالبوا بهذا الفصل، وكان التيار الوطني والعونيون عرّابي مشروع الفصل والذي لم يجد طريقه إلى الأقرار وقتها. الا ان مصادر عونية صرّحت بعد الانتخابات انه «تم التراجع عن هذه الفكرة»، فيما علّقت مصادر سياسية على الأمر، بأن «اول المتضررين سيكون رئيس الحكومة العتيد سعد الحريري، حيث كان ينوي الوقوف وراء التيار الوطني لاستبعاد بعض نوابه عن الحكومة الجديدة».
فهل ما زالت هذه الفكرة مطروحة للمضي بها، واجراء تعديل دستوري أم طويت وصرف النظر عنها؟ علماً ان كتلاً وازنة قد تبنتها وأكدت عليها كحزب الله و«القوات اللبنانية» وتيار «المستقبل» (بعد الانتخابات).
وبما ان الفصل بين النيابة والوزارة يحتاج لتعديل دستوري يتناول المادة 28 من الدستور. فمن المستبعد ان يحظى مشروع التعديل على أكثرية موصوفة (الثلثين من أعضاء المجلس) في المدى المنظور.
وبالعودة إلى النص الدستوري، اجازت المادة 28 بصيغتها القديمة انه «يجوز الجمع بين النيابة والمشيخة ووظيفة الوزارة على ان لا يتجاوز عدد الوزراء الذين يؤخذون من المجلس الثلاثة».
وبموجب التعديل الدستوري الأول في 17/10/1927 أصبح نص المادة 28: «يجوز الجمع بين النيابة ووظيفة الوزارة على ان عدد الوزراء الذين يؤخذون من المجلس يجب ان يكون لا أكثر ولا أقل من أكثرية عدد مجلس الوزراء المطلقة، ويعني بالأكثرية المطلقة النصف مع زيادة واحد».
أما التعديل الثاني للدستور في 8 /5/1929 فقد اجاز الجمع بين النيابة والوزارة دون قيد عددي وأصبح النص الجديد انه «يجوز الجمع بين النيابة ووظيفة الوزارة. اما الوزراء فيجوز انتقاؤهم من أعضاء المجلس أو من أشخاص خارجين عنه أو من كليهما» وما زال هذا النص سارياً حتى يومنا هذا.
وبعد التعدّيل الثاني، لم تطرح هذه المسألة مجدداً الا سنة 1959 حين دعا كمال جنبلاط في البرنامج العملي لجبهة الاتحاد الوطني، إلى منع الجمع بين النيابة والوزارة «بقية تحرير الحكم والادارة من الأهواء الحزبية السياسية التهديمية».
ثم أخذت هذه الدعوة تنتشر فتبناها النائب- وقتها- كامل الأسعد في محاضرته بالمؤتمر الثاني العلم السياسة في كانون الثاني 1961، لمعالجة «علّة الاستيزار»، معتبراً ان عدم الجمع بين النيابة والوزارة يؤدي إلى رفع مستوى السياسة. والقاضي- النائب لاحقاً- عبده عويدات في كتابه الصادر ذات العام عن النظم الدستورية، حيث اقترح اختيار الوزراء من خارج البرلمان من أصحاب الاختصاصات العلمية باستثناء رئيس الوزارة نظراً لطبيعة العلاقة التي تربطه بالمجلس في ما يتعلق بوضع السياسة العامة والدفاع عنها لديه(1). تبعهم في ذلك الدكتور بهيج طبارة في محاضرته بالندوة اللبنانية سنة 1966 قائلاً: «ان تطبيق هذه القاعدة سوف يُعيد للنيابة اعتبارها فينصرف النائب إلى وظيفته التشريعية ومراقبة الحكومة ويتحرر الحكم من القيود الانتخابية التي تشد النائب إلى ناخبيه... ثم نادي 22 تشرين في مشروعه سنة 1968 والحزب الديموقراطي في مشروعه سنة 1971، وتكررت هذه الدعوة في مشاريع الحزب التقدمي الاشتراكي سنة 1964 و1968 و1971 و1972، تبنتها غالبية الأحزاب المجتمعة في ندوة الدراسات الإنمائية 1973(2)، والبرنامج المرحلي للأحزاب التقدمية في آب 1975، غير انه عندما طرح هذا الموضوع على اللجنة المنبثقة عن مؤتمر جنيف تمهيداً لمؤتمر لوزان، لم يوافق على هذا الاقتراح إلا ممثلو الرئيس صائب سلام والسيّد وليد جنبلاط وعارضه بقية الاعضاء(3). واختفى هذا المطلب بعد ذلك من أوراق العمل الإصلاحية لمختلف التكتلات والأحزاب، وخلت وثيقة الوفاق الوطني في الطائف من أي ذكر لمسأل الفصل لا من قريب ولا من بعيد..
ولو عدنا إلى جوهر الموضوع لأمكن القول ان مطالبي علّة الاستيزار وعدم الاستقرار الوزاري بالفصل بين النيابة والوزارة ليسوا الا «كالمستجير من الرمضاء بالنار» فالمسألة ليست ثانوية كما يرى العلامة الدستوري «دولفولفيه» Delvolve ولكنها تُشير بحق غير ذات فائدة ولا يُمكن اعتبارها علاجاً للأسباب الحقيقية لعدم الاستقرار الوزاري، فمع تعذر الاستعانة بأقطاب المجلس تبقى إمكانية اللجوء إلى اعوان هؤلاء من خارج المجلس مما يضعف الحكومة ويبقيها تحت رحمة انسجامها مع الكتل النيابية ويبقى عدم الاستقرار بالتالي على حاله. الا ان الأخطر من ذلك هو ارتباط الفصل بين النيابة والوزارة بالنظام الرئاسي بقدر ارتباط الجمع بينهما بالنظام البرلماني، فإن الفصل سيجعلهم يدورون في فلك رئيس الجمهورية، وإذا كان هذا هو بالضبط ما كنا نشكو منه في لبنان، قبل الطائف، فإن المطالبة بفصل النيابة عن الوزارة ستكون من قبيل «داوني بالتي كانت هي الداء» ذلك اننا سنكون امام أحد أمرين، فإما ان يتولى الوزارة حاشية «رئاسات» ممن يتدرجون للدخول في المعترك السياسي كما حصل في الحكومات الاكسترا - برلمانية التي جربت قبل الطائف، وإما ان يتولاها اعوان الأقطاب البرلمانيين كما اشرنا مع «دولفولفيه» فيهزل الحكم ويبقى عدم الاستقرار الوزاري مهيمناً.
وبالعودة إلى تاريخ الحكومات اللبنانية، فقد تشكّلت منذ صدور الدستور اللبناني في23 أيّار 1926 وحتى حكومة الرئيس سعد الحريري التي تصرّف الأعمال حالياً 92 حكومة: منها 75 قبل الطائف و17 بعده. ومن الحكومات الـ75 تشكّلت 48 حكومة برلمانية أو يغلب عليها الطابع البرلماني وما نسبته 46٪ و13 حكومة اكتسرا برلمانية وما نسبته 17،33٪ و14 حكومة اكثريتها اكسترا برلمانية وما نسبته 18،66٪.
اما بعد الطائف فتشكلت 17 حكومة منها 16 بأكثرية برلمانية بعضها معظم وزراء من خارج البرلمان وما نسبته حوالى 94٪ وحكومة واحدة اكسترا برلمانية ترأسها الرئيس نجيب ميقاتي واشرفت على انتخابات 2005 علما انها كانت تضم وزراء يمثلون اطرافاً سياسية فاعلة.
مع بدء ولاية المجلس النيابي الجديد فهل تقدّم بعض الكتل النيابية الوازنة، والتي تضمن برنامجها الانتخابي المطالبة بتعديل المادة 28 من الدستور وفصل النيابة عن الوزارة، بمشروع قانون تعديل دستوري؟ هذا ما ستكشفه الأسابيع أو الأشهر القادمة..
كاتب وباحث
(1) عبده عويدات- النظم الدستورية في لبنان والبلاد العربية- بيروت- منشورات عويدات 1961- ص 596.
(2) الأحزاب التي ايدت الفصل في تحقيقات جريدة النهار 1972 فهي: التقدمي الاشتراكي، النجادة، الحزب الديموقراطي، ومنظمة البعث.
(3) عقد مؤتمر جنيف للحوار في الفترة ما بين 30/10/83 و4/11/83، برئاسة الرئيس أمين الجميل وحضور الرؤساء: شمعون، فرنجية، عسيران، سلام، وكرامي والسادة بيار الجميل، نبيه برّي ووليد جنبلاط بحضور وزير الخارجية السورية عبد الحليم خدام، ووزير الدولة السعودي محمّد الابراهيم، وامتنع عن الحضور العميد ريمون إده.






