قراءة في ضوء القانون الدولي:«الإطار الثلاثي» بين وعد السلام واختبار السيادة
د. خديجة رياض حكيم*
يكشف الإطار اللبناني – الإسرائيلي لعام 2026 عن تحول قانوني وسياسي يتجاوز حدود التفاهمات الأمنية التقليدية أو ترتيبات وقف الأعمال العدائية، إذ يضع العلاقة بين الطرفين أمام انتقال بالغ الحساسية: من منطق إدارة نزاع مع عدو إلى منطق الاعتراف بوجود دولة أخرى والتعامل معها ككيان قانوني دولي ذي سيادة، ضمن علاقة يفترض أن يحكمها السلام وحسن الجوار.
ومن هنا، فإن قراءة هذا الإطار لا يجب أن تبدأ من مسألة نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، رغم أهميتها في مسار التنفيذ، بل من السؤال الأكثر جوهرية: هل نحن أمام صيغة جديدة لإدارة النزاع، أم بداية مسار السلام؟ فالجواب يكمن في لغة النص ذاتها. إذ لا يتحدث الإطار عن هدنة أو تهدئة مؤقتة، بل عن «سلام وأمن دائمين»، وعن إنهاء النزاع وضمان سيادة البلدين وإقامة علاقات حسن جوار سلمية. وليس تفصيلاً أن تتكرر مفردات «السلام» أكثر من عشر مرات، ففي النصوص لا تكون الكلمات مجرد عبارات إنشائية، بل تعبيراً عن الإرادة القانونية والغاية السياسية.
وعليه، فإن نزع السلاح، وإعادة الانتشار، وآليات التحقق، ليست جوهر الإطار بحد ذاتها، بل أدوات يفترض أن تحقق الغاية الكبرى التي أعلنها النص «السلام».
وتزداد أهمية هذا التحول مع استخدام عبارة ذات دلالة خاصة: «لا رجعة فيه». فهي لا تصف إجراءً مؤقتاً، بل مساراً يراد له أن يطوي مرحلة ويفتح أخرى. غير أن عدم الرجعة لا يمكن أن يكون التزاماً انتقائياً، فإذا كان مطلوباً من لبنان مسار لا رجعة فيه نحو حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة، فإن المبدأ ذاته يفرض مساراً لا رجعة فيه نحو احترام سيادة لبنان، وإنهاء أي وجود عسكري إسرائيلي على أرضه، ووقف استخدام القوة أو التهديد بها.
فالقانون الدولي، منذ ميثاق الأمم المتحدة، يقوم على قاعدة واضحة كرّستها المادة 2 الفقرة 4: حظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي. ومن هذا المنطلق، لا يمكن لأي سلام أن يقوم إلّا على معادلة متوازنة: أمن متبادل وسيادة كاملة.
وهنا يظهر الاختبار الأول لهذا الإطار: الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية. فالترتيبات الأمنية والضمانات قد تكون جزءاً من أي عملية سلام، لكن القانون الدولي يميز بين تنظيم آلية الانسحاب وبين تحويل الانسحاب ذاته إلى حق مؤجل أو مكافأة مشروطة.
وهنا تكمن خطورة الالتباس في صياغة النص، إذ قد يُفهم منه أن الانسحاب الإسرائيلي يأتي كمكافأة للبنان مقابل نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، في حين أن المنطق القانوني يسير في الاتجاه المعاكس: فالسيادة حق أصيل للدولة وليست ثمناً للتفاوض، وإنهاء أي وجود عسكري أجنبي غير مشروع هو التزام تفرضه قواعد القانون الدولي، لا امتياز يُمنح مقابل ترتيبات أمنية.
فكما تؤكد الدولة اللبنانية حقها في حصر السلاح بيدها، ليس باعتباره مطلباً خارجياً، بل باعتباره التعبير الطبيعي عن اكتمال سيادتها وقدرتها على ممارسة سلطتها وامتلاك قرار الحرب والسلم، فإن رفض أي وجود عسكري أجنبي غير مشروع على أراضيها يستند إلى المبدأ السيادي ذاته.
فالسيادة لا تُجزّأ بين الداخل والخارج، ولا يمكن أن تُطالب الدولة ببسط سلطتها كاملة داخل حدودها فيما يُقبل بانتقاص هذه السلطة من خارجها.
ومن هنا تبقى القاعدة السيادية واحدة: لا سلاح خارج الدولة، ولا سلطة فوق الدولة، ولا قوة محتلة على أرضها.
أما تأكيد الإطار على حق الدفاع عن النفس، بما يتوافق مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، فلا يجوز أن يتحول إلى ثغرة قانونية تعيد إنتاج منطق الحرب تحت مسمى جديد. فهذا الحق يبقى استثناءً محدوداً على مبدأ حظر استخدام القوة، وليس تفويضاً مفتوحاً أو دائماً للقيام بعمليات عسكرية، إذ يظل مقيداً في جميع الأحوال بضوابط الضرورة ومبدأ التناسب.
ومن هنا، فإن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، وما يرافقها من تفجيرات واسعة ونسف للمنشآت والأحياء باستخدام وسائل غير مشروعة دوليًا، يحوّل هذا البند إلى باباً خلفياً لاستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية تحت غطاء قانوني جديد.
وهنا تبرز مسؤولية الولايات المتحدة بصفتها الضامن لهذا الإطار، فالسكوت عن استمرار واقع القوة يثير تساؤلات حول فاعلية الضمان، ويؤدي إلى ترسيخ وضع يناقض الهدف من اتفاق الإطار!
وتبقى من أكثر النقاط حساسية في اتفاق الاطار، والتي أثارت نقاشاً واسعاً داخل لبنان، تلك المتعلقة بالتعهد بوقف الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية والقانونية الدولية. فإذا كان المقصود هو الانتقال من خطاب المواجهة إلى خطاب السلام، فهذا أمر طبيعي في مسارات المصالحة بين الدول وتغيير طبيعة العلاقات بينها. أما إذا فُسّر النص على أنه تخلٍّ مسبق عن حق لبنان أو مواطنيه في اللجوء إلى العدالة الدولية، فهنا تكمن الإشكالية القانونية. فالسلام لا يعني إسقاط الحقوق، والمصالحة لا تعني محو المسؤولية. وحقوق الضحايا، ولا سيما في حالات الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، ليست ملكاً سياسياً لأي سلطة لتجعلها موضع مقايضة أو تنازل. وقد كرّست المادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 هذا المبدأ، مؤكدة عدم جواز حرمان الأشخاص المحميين من الحقوق التي يكفلها لهم القانون الدولي الإنساني «بسبب أي اتفاق يعقد بين سلطات الإقليم المحتل ودولة الاحتلال».
غير أن النقاش اللبناني حول هذا البند يكشف مفارقة لافتة، فبعض من يتهمون الدولة اليوم بالتفريط بحق لبنان في المحافل الدولية كانوا بالأمس من المعترضين على خطوات تعزز هذا الحق، وفي مقدمتها الانضمام إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية!! فالتمسك بالقانون الدولي لا يمكن أن يكون خياراً ظرفياً، بل رؤية دائمة لحماية الدولة.
في النهاية، يجب أن ندرك أن السلام الحقيقي ليس ثمناً تدفعه الدولة اللبنانية من سيادتها، بل ضمانة لحماية هذه السيادة وترسيخها. فالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية لا يجب أن يُقدَّم أو يُقبل به كمكافأة مشروطة، بل كالتزام يفرضه مبدأ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.
ولهذا فإن عبارة «لا رجعة فيه» يجب أن تشمل المسار بأكمله: لا رجعة إلى الحرب، ولا إلى انتقاص السيادة، ولا إلى جعل الحقوق السيادية رهينة لشروط سياسية أو أمنية.
وتبقى مسؤولية لبنان كطرف، والولايات المتحدة كضامن، أن يتحول هذا الإطار إلى طريق نحو سلام عادل، لا إلى صيغة جديدة لإدارة الحرب تحت عنوان آخر.
* خبيرة في الشؤون الدولية والبترولية






