سحر ضو
لم تعد جزيرة قشم مجرد نقطة في جغرافيا الخليج، بل تحوّلت في العقيدة العسكرية الإيرانية إلى «حاملة طائرات ثابتة» غير قابلة للإغراق، ومحور ارتكاز في معادلة السيطرة على مضيق هرمز. ومع انسداد أفق الدبلوماسية وتعثّر المفاوضات، يعود إلى الواجهة طرح أميركي - دولي جريء: «تدويل المضيق» وتحويله إلى ممر آمن تحت مسمّى «مضيق خالد بن الوليد». لكن هذا الطموح يصطدم بـ«صندوق بارود» جغرافي وعسكري يجعل من أي محاولة للسيطرة الدولية مغامرة محفوفة بالمخاطر.
قشم: من «الطريق الحريري» إلى «القلعة المسلحة»
تاريخياً، كانت قشم (أو الجزيرة «الطويلة») حارسة البوابة، صارع عليها البرتغاليون والإنجليز لقرون لضمان تدفق التجارة. اليوم، حوّلتها طهران إلى «ترسانة» تحتية؛ تضم مدن صواريخ مخفية بصوامع محصنة، ومنصات انطلاق لزوارق انتحارية وطائرات مسيّرة (مثل «شاهد 136»). قربها الشديد من أضيق نقطة في المضيق يمنحها قدرة «السيطرة الرقمية» والرادارية اللحظية، ما يجعل أي وجود عسكري دولي فوقها «هدفاً مكشوفاً» ومستنزفاً عسكرياً.
سيناريو «التدويل» والاصطدام بالواقع
يقوم مقترح «الإدارة الدولية» على تحييد قشم وفرض ممر ملاحة قسري. لكن هذا السيناريو يواجه ثلاث حقائق صلبة:
استراتيجية التكلفة: العقيدة الإيرانية لا تسعى لمنع المواجهة بل لرفع تكلفتها لمستويات لا يطيقها الاقتصاد العالمي.
القدرة من البر: إيران قادرة على شلّ هرمز من «اليابسة» عبر بطاريات الصواريخ المتمركزة في جبال الساحل، حتى لو تم تحييد الجزيرة.
توازن القوة الهشّ: أي إدارة دولية ستكون تحت رحمة «حرب العصابات البحرية» التي تتقنها الزوارق السريعة.
معادلة «خارك»: من التأمين إلى «الإعدام الاقتصادي»
إدخال جزيرة «خارك» (شريان النفط الإيراني) في المعادلة يغيّر قواعد اللعبة بالكامل. فبينما تحمي قشم المضيق عسكرياً، تمثل خارك «الرئة» المالية لطهران. استهدافها أو محاصرتها يعني الانتقال من «تأمين الملاحة» إلى «الخنق الاقتصادي»، وهو ما تعتبره طهران إعلان حرب صريحاً، يمنحها الذريعة لتنفيذ تهديدها التاريخي: «إذا لم يصدر نفطنا، فلن يصدر نفط أحد».
هذا التصعيد يضع العالم أمام «زلزال طاقوي» قد يدفع بأسعار النفط نحو عتبة 180 دولاراً للبرميل، مع توقف تدفق 20% من إمدادات العالم. هنا تبرز أدوار القوى الإقليمية والدولية:
دول الخليج: تجد نفسها بين مطرقة تأمين صادراتها وسندان التحوّل لساحة صراع. تبرز هنا محاولات تفعيل البدائل مثل خط أنابيب «جاسك» الإيراني (خارج المضيق) أو خط أنابيب «حبشان - الفجيرة» الإماراتي، لكنها تظل بدائل جزئية لا تعوّض حجم التدفق الهائل عبر هرمز.
الصين: المستفيد الأكبر من الهدوء والمتضرر الأكبر من التدويل، حيث تخشى أن تتحكم واشنطن بـ«حنفية الطاقة» المتجهة نحو موانئها عبر السيطرة على المضيق.
إن قشم وخارك هما «قفل ومفتاح» الاستقرار الإقليمي. وأي محاولة لكسر القفل عبر «التدويل» دون تسوية كبرى، ستفتح أبواب الجحيم على الملاحة العالمية. ففي هرمز، لا توجد «إدارة دولية هادئة»، بل هناك «توازن رعب» يمنع الانهيار الكامل حتى الآن.