بيروت - لبنان

اخر الأخبار

1 حزيران 2026 12:00ص لبنان بين تفاوضين

حجم الخط
فؤاد بوجي

في الشرق الأوسط، نادراً ما تتحرك الملفات الكبرى بشكل منفصل. فالتصعيد العسكري لا يكون دائماً نقيضاً للتفاوض، كما أن الغموض السياسي لا يعني بالضرورة غياب الاتصالات أو انسداد المسارات. ومن هنا، يصعب النظر إلى ما يجري على الساحة اللبنانية، ولا سيما في الجنوب، باعتباره ملفاً محلياً صرفاً أو معزولاً عن التحوّلات الإقليمية الأوسع.
خلال الفترة الأخيرة، برزت مؤشرات متزامنة يصعب التعامل معها كوقائع منفصلة: اجتماع أمني – عسكري عُقد في البنتاغون في سياق متابعة الملفات المرتبطة بالوضع الحدودي بين لبنان وإسرائيل ضمن الرعاية الأميركية القائمة، استمرار الغموض المحيط بإمكان التوصل إلى تفاهم أميركي – إيراني جديد أو محدود، وتصاعد العمليات الإسرائيلية في الجنوب بوتيرة تطرح أسئلة تتجاوز بعدها الميداني المباشر. وبين هذه المسارات المتقاطعة، يجد لبنان نفسه مرة جديدة في موقع المتأثر أكثر من كونه شريكاً كاملاً في رسم المشهد.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: ماذا يجري على الحدود الجنوبية؟ بل: أين يُتخذ القرار الحقيقي بشأن مستقبل هذه الحدود؟ وهل يتحرك الملف اللبناني ضمن ترتيبات أمنية مباشرة، أم أن مساره يبقى مرتبطاً بما ستؤول إليه التفاهمات الإقليمية الأوسع؟
في هذا السياق، تبدو الصورة الإقليمية أكثر تعقيداً مما توحي به الوقائع اليومية المتفرقة. فالمسار الأمني المتعلق بالحدود اللبنانية لا يتحرك في فراغ، كما أن أي قراءة للتصعيد الإسرائيلي تبقى ناقصة إذا عُزلت عن المناخ الإقليمي الأوسع، ولا سيما الاتصالات الجارية بين واشنطن وطهران، مهما بقيت نتائجها غير محسومة أو محاطة بالغموض. فالتجربة الإقليمية خلال السنوات الماضية أظهرت أن ساحات التوتر كثيراً ما تتأثر بمسارات تفاوض لا تُعلن تفاصيلها كاملة إلّا بعد نضوجها.
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن لبنان يقف على أبواب تسوية. فالمنطقة تبدو أقرب إلى إدارة التوازنات ومنع الانفجار الكبير منها إلى إنتاج حلول نهائية. وهذا ما يضع الجنوب اللبناني في مساحة دقيقة بين الاحتواء الأمني المؤقت واحتمال العودة إلى التصعيد كلما تعثرت التفاهمات الكبرى أو تبدّلت الحسابات الإقليمية.
أما إسرائيل، فتبدو وكأنها تسعى إلى معادلة مزدوجة: الحفاظ على الضغط العسكري المستمر من جهة، وترك الباب مفتوحاً أمام ترتيبات أمنية من جهة أخرى. فالتصعيد المتكرر لا يبدو منفصلاً عن محاولة تحسين شروط التفاوض، أو فرض وقائع ميدانية تسبق أي تفاهمات سياسية لاحقة.
في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية أمام هامش حركة محدود. فالأزمة الاقتصادية العميقة، والانقسام السياسي الداخلي، والتعثّر المستمر في معالجة ملفات أساسية، كلها عوامل تقلص قدرة لبنان على المبادرة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الخطر الحقيقي أن يجد نفسه أمام ترتيبات تُصاغ خارجه أكثر مما تُصاغ داخله.
هنا تحديداً تتقاطع المسارات. فإذا نجحت واشنطن وطهران في إنتاج تفاهم، ولو جزئياً أو غير معلن بالكامل، فمن المرجح أن ينعكس ذلك على ساحات التوتر المرتبطة بالنفوذ الإيراني، ومنها لبنان. أما إذا تعثّر هذا المسار، فقد يتحول الجنوب مجدّداً إلى ساحة رسائل متبادلة وضغوط ميدانية ضمن حدود محسوبة تمنع الانفجار الكبير، لكنها لا تمنح الاستقرار.
المفارقة أن معظم الأطراف تبدو وكأنها لا تريد حرباً واسعة، لكنها أيضاً لا تبدو مستعّدة بعد لتسوية نهائية. إسرائيل تريد أمناً حدودياً بشروطها، وتبدو معنية بدفع ملف سلاح حزب الله إلى صدارة أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية. في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى احتواء التصعيد الإقليمي، فيما تحاول إيران الحفاظ على أوراق نفوذها دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، بينما يجد لبنان نفسه منشغلاً بمنع الأسوأ أكثر من قدرته على فرض مسار مختلف.
لذلك، قد يكون الوصف الأدق للمرحلة الحالية أن لبنان يقف بين تفاوضين: تفاوض ظاهر تدور بعض تفاصيله في الغرف الأمنية والعسكرية، وتفاوض أوسع وأعمق يجري بصمت بين القوى الإقليمية والدولية. وبين الاثنين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يُرسم مستقبل الجنوب من داخل لبنان، أم أن توقيته وشروطه سيبقيان رهينة توازنات أكبر من قدرة اللبنانيين على التأثير فيها؟
في السياسة الإقليمية، ليست المشكلة دائماً في غياب الحلول، بل أحياناً في انتظار الآخرين لساعة التسوية المناسبة. وحتى يحين ذلك، قد يبقى لبنان يعيش في منطقة رمادية: لا حرب شاملة، ولا سلام مستقر، بل إدارة دقيقة لمخاطر مؤجلة.