لماذا سقطت التسوية بين عون والحريري؟
حجم الخط
النائب السابق الدكتور عمر مسيكة
مساء يوم السبت الواقع في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2017 أعلن رئيس الحكومة اللبنانية سعد الدين الحريري استقالته من الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، وهي الاستقالة التي فهمت عند مختلف الأوساط المحلية والخارجية بأنها بمثابة زلزال سياسي كبير سيترتب عليه مصاعب خطيرة قد تصيب وطننا في صميم أوضاعه الصعبة بعد مرحلة من التسوية الداخلية والأمل الصميم بنجاتنا من المحن والانقسام.
وأنني، بغض النظر عن توقيت هذه الاستقالة أو عن إعلانها من الرياض وليس في بيروت كما اثار البعض، فانني عايشت أكثر من ستين حكومة من حياة لبنان عن كثب خلال مهامي في الدولة اللبنانية، وأنا لم افاجأ في معظم الحالات لأن لكل استقالة لها اسبابها وظروفها وملابساتها وهذا اعتبره أمراً طبيعياً في البلاد الديمقراطية.
وإنني امام هذه الاستقالة التي اقدم عليها الرئيس الحريري أرى في اسبابها وضعاً ملتبساً ومؤسفاً لأنها اطاحت بتسوية تاريخية بادرها الحريري لإنقاذ بلده لضمان أمنه واستقراره ودفعه للخروج من الشلل والفراغ والانقسام، انني أرى في هذه الأسباب ما يلي:
- أولاً: في أواخر عام 2016، كان لبنان يئن من حالة الفراغ الرئاسي المتمادي بخسارة السنتين ونصف من مسيرته، وكان الرئيس سعد الدين الحريري يعمل جاهداً بصبر حتى بدت مسؤوليته الوطنية منفردة لسد الفراغ الرئاسي.
وكان خيار الحريري الشجاع بترشيح العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، واتفق الكبيران عون- الحريري على تسوية سياسية متكاملة وهي تسوية تاريخية خارقة للشلل والفراغ والدوامة لإخماد الصراعات الداخلية، ومن أهمها إعادة الثقة بلبنان خارجياً، وبالنأي بلبنان عن الصراعات الإقليمية المدمرة، وبإخراجه من شلل الحكم، وتحقيق انتخابات رئاسية، وتشكيل حكومة منسجمة وتجنيب تجارب التعطيل في الحكومات السابقة، وإطلاق عملية تحريك ودعم مسيرة الدولة والمؤسسات والاقتصاد والخدمات الأساسية.
- ثانياً: وبالرغم من تحقيق الإنجازات خلال عام من قيام هذا العهد وحكومة الحريري الا انه ظهرت على السطح في واقعها خيبات وفشل في هذه التسوية التاريخية ببروز التناقضات المفاجئة من بعض أعضاء الحكومة حيث يفترض التفاهم بين الرئيسين على سلوك طريق الأمن والتفاهم والوحدة ومن هذه التناقضات:
- عدم التزام فريق من الوزراء بمبادئ التضامن المفترض حكومياً والعمل خارج سياسة الحكومة خاصة في وزارة الخارجية التي بدت كأنها مكلفة برسم سياسة خاصة تقودها على مستوى الخارج إلى ان اصيبت حركتها بالانسداد السياسي إذ تقلص وجود لبنان في العواصم خاصة العربية إذ لم يعد هناك ديناميكية لوزيرنا ولسياسة لبنان القائمة على الانفتاح والصداقات كما عرف في عهود سابقة:
- كذلك استقل بعض الوزراء في أخذ سياسة انفرادية بمعزل عن التضامن الوزاري المفترض وتجاوزاً للحكومة ورئيسها بما يخرق الاتفاق بين الرئيسين في التسوية المفترضة، فهذا الوزير يقوم بزيارة دمشق خلافاً للتعهدات بتحييد لبنان وذلك يبرم اتفاقات ومبادرات تتجاوز الحكومة ورئيسها، ووزير آخر لا يلتزم بموقف الحكومة ويتجاوزها بتحديات تجعل الحكومة مترنحة متجاذبة متناقضة في مواقفها بما يهددها بوحدتها وتضامنها غير عابئ بوضعها في موضع صعب، فمثلاً ينفرد وزير الخارجية بلقاء الوزير السوري المعلم في نيويورك في تحدٍّ للمجتمع العربي والدولي القاطع علاقاته مع النظام السوري، والأنكى ان تحمل الحكومة ورئيسها التوقيع على تعيين سفير لبناني في دمشق، وينفرد لبنان عن الموقف العربي والدولي المجمع على مقاطعة النظام السوري.
- إن عدم الالتزام بالتسوية القائمة على أن ينأى لبنان بنفسه عن الحرائق المندلعة في العالم العربي وتداعيات المنطقة بمثابة قيام فريق من أعضاء الحكومة بزج بلدنا في أتون حرائق المنطقة بدون رادع أو تهيب أو التزام بالتسوية ما بين الرئيسين عون- الحريري.
- إن أخطر ما واجهته الحكومة خلال هذا العام هو عدم الالتزام بمضمون السياسة الخارجية وثوابتها وأهمها ان لبنان لا يُزج أو يُورط في أي من المحاور العربية والإقليمية أو الدولية حتى يتجنب انعكاساتها الخطرة على وحدته الوطنية ومسيرته السلمية.
إنه لأمر مؤسف أن يُعزل رئيس الدولة في مناسبة دولية في نيويورك خلال اجتماعات الأمم المتحدة عن فعالية الحضور ويعزل عن اللقاءات الدولية والمشاركة بفعالية مع الدول المنضوية بالأمم المتحدة.
إن هذا الخلل، إذا استمر أصبح من الممكن كما حذرنا مراراً أن يعرض الحكومة للانهيار تبعاً لاحتمال سقوط التسوية بين الرئيسين عون والحريري.
- ثالثاً: ان استقالة الرئيس سعد الدين الحريري لهذه الأسباب الجوهرية افاقت اللبنانيين من زلزال سياسي شديد الوطأة على مسيرة البلد الصغير في هذا الخضم الإقليمي، وبالرغم من الدعوات الوطنية الطيبة إلى التهدئة والالتزام بالتريث، وعدم التصعيد، وبانتظار جلاء الوضع الناجم عن هذه الاستقالة، فإنني اسأل نفسي هل يتحمل لبنان في أوضاعه المتعثرة عزلة عن اخوانه العرب الذي احدثوا ردة فعل بخروجه عن الحياد بدعوة رعاياهم إلى مغادرة لبنان فوراً، وهل يتحمل عزلة دولية عندما دعت واشنطن ايضا رعاياها في لبنان أخذ الحذر، وهل باستطاعة بلد صغير ان يُزج في صراع المحاور الإقليمية بالتماهي مع إيران في صدامها مع العرب والموقف الدولي، أسئلة لا بدّ لهذا العهد الإجابة عليها بأخذ مبادرات الانقاذ لتسوية بعد استقالة الحريري التاريخية.






