لم تكن خسائر الاحتلال في المواجهات الجارية بينه وبين مقاتلي حزب الله، هي السبب في التصعيد، بل هو قرار على المستوى السياسي الأعلى في كيان الاحتلال لتحقيق الأهداف المرسومة عسكريا بالسيطرة الكاملة على جنوب نهر الليطاني وتدمير كل مقدرات المقاومة وفرض الشروط الأمنية والسياسية على الدولة اللبنانية. وهو ما ظهر في تصريحات رئيس حكومة كيان الاحتلال والرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس أركان جيش الاحتلال ايال زامير قبل يومين بأنه «لا وقف لإطلاق النار في لبنان»..
ولم تنفع تصريحات ترامب الخجولة والتي جاءت من باب رفع العتب بالطلب من نتنياهو «ممارسة حق الدفاع عن النفس لكن بحذر ووقف تدمير المنازل لأنه يضرّ بصورة إسرائيل»، في منع الاحتلال من مواصلة أسلوبه بارتكاب المجازر والتدمير لإرهاب أهالي الجنوب الصامدين في قراهم وتهجير من بقي منهم. بل ان التوجه الإسرائيلي بات واضحا في مواصلة حرب التدمير للتهجير وإقامة المنطقة العازلة الخالية من السكان، حتى إذا انسحب من قرى ما وصفه «الخط الأصفر» يكون قد ضمن برأيه وقف الهجمات الصاروخية المباشرة على جنوده وآلياته ومستوطناته شمالي فلسطين، بينما قد يكون حسابه خاطئاً إذا قرر الحزب توسيع ردّه بصواريخ أثقل وأبعد مدى ما زال يمتلكها حسب زعم الاحتلال نفسه.
ولعلّ اضطرار ترامب للطلب من نتنياهو تخفيف اندفاعته العنيفة سببه خوفه من انهيار الهدنة في لبنان ووقف التفاوض الذي يسعى إليه، لتحقيق مشروعه السياسي – الاقتصادي في لبنان وباقي المنطقة العربية والشرق أوسطية كاملة، بما فيها من خيرات وموارد يريد استغلالها «لإعادة أميركا عظيمة كما كانت» حسب قوله، ولو على حساب شعوب المنطقة بمصالحها ومستقبلها السياسي والاقتصادي.
وثمة عائق إضافي أمام التفاوض السياسي المباشر وراء خوف ترامب من انهيار الهدنة وتوسيع الحرب، يكمن في تباين المواقف الرئاسية من طريقة التعاطي مع ما يجري سياسيا لمعالجة الوضع في الجنوب، والقاء اللوم فقط على حزب الله وغضّ النظر عن نوايا كيان الاحتلال وأطماعه التاريخية في أرض لبنان ومياهه واستعداده الدائم لتخريب الاستقرار اللبناني الداخلي. ذلك ان هذه التباينات التي وصلت حدّ الخلاف المكتوم، ساهمت في تعطيل التفاهم الداخلي ليس على موضوع التفاوض فقط، إنما على كثير من الأمور الداخلية الأخرى، ولا بد من معالجة هذا الخلل السياسي البنيوي بالتي هي أحسن.
وبنظر فريق وازن من اللبنانيين «لا يكفي أن يكون القرار منفردا في مسألة حسّاسة وخطيرة كالتي يمرّ بها لبنان، ولا سيما انه طالما صدرت دعوات للحوار الداخلي ليس بين الرئاسات فقط بل بين كل المكونات السياسية للتفاهم على كيفية التعاطي مع ظروف المرحلة الصعبة، وهنا لا يفترض استبعاد دور حزب الله كونه المعني المباشر بالمواجهات والرد على التصعيد العسكري. وله موقفه السياسي من المشروع الإسرائيلي الذي يجب أخذه بعين الاعتبار، سواء في ترتيب الوضع الداخلي أم في التفاوض المباشر، لا سيما إذا وصلت المفاوضات الى البحث في المرحلة السياسية ما بعد وقف العدوان والانسحاب من المناطق المحتلة».
ولهذه الأسباب طرحت مواقف تنتقد استعجال التفاوض السياسي المباشر قبل حصول اتفاق أمني ينهي العدوان ويؤدي الى انسحاب الاحتلال وإطلاق سراح الأسرى وعودة المهجرين الجنوبيين وتسهيل عملية إعادة الإعمار، وهي مطالب رفعها لبنان الرسمي وحتى حزب الله تبنّاها، كعناوين للتفاوض الأمني قبل السياسي، لكن الإدارة الأميركية تجاهلتها بناء لطلب إسرائيل، حتى تتمكن من إنهاء الوجود العسكري لحزب الله في الجنوب بإعتباره مصدر تهديد لمشاريعها في لبنان. وهنا لا غضاضة في إلقاء اللوم على الإدارة الأميركية التي يمكنها بكلمة واحدة جدّية وصارمة لو أرادت فعلاً وقف العدوان وتحقيق شروط أو مطالب لبنان البديهية في تحرير أرضه المحتلة.