مدّعو العلمانية ملزمون القبول بإلغاء المذهبيّة السياسيّة مقدِّمة لإلغاء الطائفية!
حجم الخط
جبران باسيل أصاب أكثر من هدف من طرحه إلغاء المذهبية السياسية، أقله كشف نوايا كثر يدّعون أو ينادون بالعلمانية
حمل كلام رئيس التيار الوطني الحر، وزير الخارجية جبران باسيل في المؤتمر الصحافي الذي أعقب أمس إجتماع المجلس السياسي للتيار، المقدار الكافي من الوضوح كي تصل مروحة رسائله الى المعنيين بها، وخصوصا الفريق السياسي إياه الذي يشنّ منذ أسبوع حملة شعواء على التيار، إعلاميا وفي مواقع التواصل الإجتماعي على خلفية مسألة فيلم The Post، مستخدمة وسم «تيار التطبيع».
تأخّر باسيل في الرد على ما يتعرّض له شخصيا وحزبيا، بفعل مجموعة من العوامل في مقدمها عدم الرغبة في مجاراة الحملة المذهبية الممنهجة، والتي بدأت في بيروت ووصلت مفاعليها الى أبيدجيان في ساحل العاج، من خلال السعي الى نسف مؤتمر الطاقة الإغترابية عبر حضّ لبنانيين على مقاطعته. لكن إستمرار الحملة على مستوييها الداخلي والإنتشاري، دفعت بوزير الخارجية الى مكاشفة الرأي العام لوضع حد لأي تداعيات قد تنجم عن هذه الحملة، وخصوصا بعدما إشتدّ منحاها المذهبي، وباتت ترمي في جزء كبير منها الى إستهداف ثنائية التيار الوطني الحر – حزب الله، وتاليا فك عروة التفاهم، وضرب واحد من أبرز مقومات عهد الرئيس العماد ميشال عون. فكان أن ذهب باسيل الى حدّين في عودته الى الطرح العلماني للتيار الوطني الحر:
أ- الحدّ الأقصى القائم على توليفة دولة مدنية تسقط أي منحى مذهبي، وهذا الطرح يقع في صلب الخطاب السياسي – الإستراتيجي للتيار بصرف النظر عن تكتيكات الممارسة السياسية اليومية.
ب-الحدّ الأدنى المستند الى إلغاء المذهبية السياسية داخل كل طائفة، كشرط من شروط الانتقال الى الحد الأقصى المتمثل بإلغاء الطائفية السياسية. وهذا الطرح الجديد نسبيا في الحياة السياسية اللبنانية سبق أن تبلور في فكر باسيل في الفترة القليلة الفائتة، وهو كاشف قبل ٦ أيام بعض المقربين منه بهذا الطرح وأنه في صدد الإعلان عنه، كجزء من الخطاب الإستراتيجي للتيار وكدلالة على علمانية التيار وتوجهاته.
ويعني، في ما يعني، إلغاء المذهبية السياسية داخل كل طائفة:
١-أن يبادر المذهب الأكبر والأقوى الى الحدّ من حصته لمصلحة المذهب الأقل عددا أو الأقلوي، وهو ما ذهب اليه التيار في عدد من التعيينات الإدارية، كمثل تعيين كاثوليكي عضوا في مجلس إدارة أوجيرو، في المركز المخصص عرفا للموارنة.
٢-أن يسارع كل فريق جدي في طرحه إلغاء الطائفية السياسية، الى بدء تطبيق هذا الشعار على مستوى الطائفة - المذهب، فيقدم برهانا قاطعا على مصداقيته إنطلاقا من المباشرة في إلغاء المذهبية تحقيقا للمرحلة الإنتقالية التي تنص عليها المادة ٩٥ من الدستور والتي أُنهكت في الآونة الأخيرة لكثرة ما جرى التطرق اليها من غير أن يدلل احد من الداعين الى تطبيقها، الى معناها الحقيقي والى جوهر ما أراد المشرّع تحقيقه والغاية من وضعها.
لا شك أن جبران باسيل أصاب أكثر من هدف من طرحه إلغاء المذهبية السياسية، ليس أقله كشف نوايا كثر ممن يدّعون أو ينادون بالعلمانية. وفي ضوء هذا الطرح بات لزاما على كل منادٍ بالعلمانية الذهاب الى تلقّفه، وإلا ما معنى أن من يسعى الى الهدف الأقصى (إلغاء الطائفية السياسية) ليس في وسعه القبول بالهدف المرحلي الادنى (إلغاء المذهبية السياسية)، إلا في حال أن فريقا واحدا على الأقل ممن يقول بدولة مدنية – علمانية، سيصبح أول من يلفظ وينكر قوله هذا متى تُطرح المسألة على بساط البحث الجدّي؟ وهذا الإنكار يعود الى عوامل عدة، في مقدمها وجود خلل بنيوي ولاإنسجامي في مجمل الطرح العلماني لدى هذا الفريق نتيجة عدم تطابق الطرح مع واقعه وعلة وجوده وإستمراريته السياسية – الحزبية، الى جانب إستحالة تحقيق أمر لا ينسجم مع وجدان مختلف الأفرقاء اللبنانيين، والمسلمون منهم على وجه الخصوص، ولا يزال أمر تجميد قانون الزواج المدني في الأدراج الشاهد الأكبر على هذا الواقع!






