بيروت - لبنان

اخر الأخبار

25 حزيران 2026 12:07ص من وحدة الداخل إلى قوة الخارج: الدولة بوصفها التعبير الأعلى عن السيادة الوطنية...

حجم الخط
د. حسين محمود رمال*

لم تُبنَ الدول القوية في التاريخ على وفرة السلاح وحده، ولا على كثرة التحالفات الخارجية، ولا على مهارة التفاوض بمعزل عن الواقع الداخلي، بل بُنيت أولاً على وحدة الإرادة الوطنية وقدرة المؤسسات الدستورية على التعبير عن مصالح المجتمع السياسي بوصفه كياناً واحداً لا جماعات متنازعة. ومن هنا فإن مسألة الدولة في لبنان لا تُختزل في إدارة السلطة أو تنظيم المؤسسات العامة، وإنما تتصل بجوهر الوجود الوطني نفسه وبقدرة اللبنانيين على إنتاج قرار سيادي موحّد يحظى بالشرعية الدستورية ويحمل عناصر الاستمرار والاستقرار.
ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يضع المشرّع الدستوري في مقدمة الدستور المبادئ المرتبطة بوحدة الوطن وسيادته ورفض التقسيم والتجزئة والتوطين. فهذه المبادئ لم تُدرج باعتبارها نصوصاً أدبية أو عبارات سياسية عابرة، بل باعتبارها القواعد المؤسسة للفكرة اللبنانية ذاتها. فالدولة اللبنانية لا تستطيع أن تؤدي وظيفتها التاريخية ولا أن تحافظ على فرادتها الإنسانية والحضارية إلّا بقدر ما تنجح في تحويل التنوّع إلى وحدة وطنية، والاختلاف إلى شراكة، والتعدد إلى قوة سياسية وقانونية تحت سقف الدستور.
أولاً: وحدة الداخل 
هي المصدر الأول للسيادة
الدستور وإرادة الدولة الجامعة:
إن القراءة المتأنية لمقدمة الدستور اللبناني تكشف أن المشرّع أراد قيام دولة قادرة على احتضان جميع أبنائها ضمن إطار قانوني واحد، لأن السيادة في مفهوم الدولة الحديثة لا تقوم على تعدد مراكز القرار، بل على وحدة المرجعية الوطنية. ولذلك فإن الدولة لا تضعف عندما تواجه خصماً خارجياً فحسب، بل تضعف قبل ذلك عندما يتصدّع الإجماع الوطني الذي تستند إليه شرعيتها.
الانقسام الداخلي بوصفه استنزافاً للقوة الوطنية:
لا يوجد عدو يحترم دولة منقسمة على نفسها. فالدول تُحترم عندما يظهر قرارها السياسي متماسكاً ومعبراً عن إرادة وطنية مستقرة. أما عندما تنتقل الانقسامات الداخلية إلى المجال السيادي، فإن الخصوم يقرأون ذلك بوصفه مؤشراً على ضعف الدولة لا على حيوية الحياة السياسية فيها. وعندئذ تتحول الانقسامات من ظاهرة داخلية إلى عنصر من عناصر إضعاف الموقع الوطني في مواجهة التحديات الخارجية.
ثانياً: الدولة القوية تسبق 
التفاوض ولا تنتج عنه
القوة التفاوضية وليدة الشرعية الوطنية:
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن المفاوضات تصنع القوة. فالحقيقة أن القوة هي التي تمنح المفاوضات معناها وجدواها. والدولة التي تدخل أي مسار تفاوضي وهي تحمل انقسامها الداخلي معها تكون قد خسرت جزءاً من قدرتها التفاوضية قبل أن تبدأ الحوار مع الآخرين.
ومن هذا المنطلق، كان من الطبيعي أن تتقدم الوحدة الوطنية على أي تحرك خارجي، وأن يسبق أي تفاوض توافقٌ لبناني واسع حول المصالح العليا للدولة وحول الأولويات الوطنية التي لا يجوز أن تكون موضع انقسام.
الاستراتيجية الوطنية قبل الحركة الخارجية:
كما أن أي دولة تحترم نفسها لا تذهب إلى الخارج قبل أن تنظم عناصر قوتها في الداخل. ولذلك فإن الاستراتيجية الدفاعية الوطنية لا تُعدّ مسألة تقنية أو عسكرية فحسب، بل هي جزء من فلسفة الدولة ذاتها، لأنها تحدد كيفية توظيف عناصر القوة الوطنية ضمن إطار الشرعية الدستورية ومؤسسات الدولة.
فالقوة التي لا تنتظم في إطار الدولة تتحول إلى عنصر خلاف، أما القوة التي تحتضنها الدولة فتتحول إلى مصدر من مصادر المناعة الوطنية والسيادة الفعلية.
ثالثاً: بين مقتضيات الدبلوماسية وأحكام القانون الدولي
المصلحة الوطنية أساس العلاقات الدولية:
إن الحوار مع الدول الكبرى والسعي إلى حماية المصالح الوطنية من خلال الوسائل الدبلوماسية لا يشكّل انتقاصاً من السيادة، بل يدخل في صميم الوظيفة الطبيعية للدولة في علاقاتها الدولية. فالقانون الدولي نفسه يقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول وعلى حق كل دولة في السعي إلى حماية مصالحها الوطنية بالوسائل المشروعة.
غير أن نجاح أي تحرك خارجي يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على التعبير عن موقف وطني موحّد، لأن المجتمع الدولي يتعامل مع الدول بوصفها وحدات سياسية متماسكة لا بوصفها تجمعات متنازعة على تعريف مصالحها الأساسية. فالمفاوضات غير المباشرة عن طريق الدول الكبرى كالولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والمانيا في أكثر من محطة أكسبت لبنان الكثير الكثير أولاها حماية الوحدة الوطنية من خلال التمسّك بالثوابت الوطنية أولاها الوحدة الداخلية و وضعت لبنان على سكة القانون الدولي كحال تفاهم نيسان العام 1996 كما فعلت حكومة الرئيس رفيق الحريري. 
والقضية الأبرز التي لا يجوز إسقاطها:
في سياق النزاع مع إسرائيل حيث الإشكالية الكبرى في أن كثيراً من النقاشات السياسية تنصرف إلى النتائج المباشرة وتتجاهل جذور المشكلة القانونية والإنسانية. فالقضية الفلسطينية وما يرتبط بها من ملف اللاجئين لا تزال تشكل جزءاً أساسياً من المشهد القانوني الدولي.
ومن هنا تبرز أهمية التمسّك بقواعد القانون الدولي وبالمبادئ التي كرّستها المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، ولا سيما ما ورد في المادة الثالثة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بشأن حق الإنسان في العودة إلى بلده. فالقضايا التاريخية الكبرى لا تُعالج بتجاهل أسبابها القانونية، بل بإعادة الاعتبار للحقوق التي نشأت عنها.
وعليه،
فإن لبنان لا يحتاج اليوم إلى البحث عن مصادر قوته خارج حدوده بقدر حاجته إلى إعادة بناء عناصر هذه القوة داخل دولته. ذلك أن الدولة التي تتوحد إرادتها الوطنية تفرض احترامها حتى في أصعب الظروف، بينما الدولة المنقسمة تفقد جزءاً من هيبتها وقدرتها على التأثير مهما امتلكت من أوراق أخرى. فالسيادة ليست شعاراً سياسياً، بل حالة دستورية وقانونية تتجسد في وحدة القرار الوطني، وفي خضوع الجميع لمرجعية الدولة، وفي قدرة المؤسسات على التعبير عن المصلحة العليا للأمة اللبنانية.
ومن هنا فإن استعادة قوة لبنان تبدأ من استعادة الدولة نفسها؛ دولة الدستور، ودولة القانون، ودولة القرار الوطني الواحد. وعندما تستقر هذه القاعدة يصبح الخارج مضطراً إلى التعامل مع لبنان بوصفه دولة كاملة السيادة لا ساحةً للنزاعات، ويصبح احترامه نتيجة طبيعية لوحدته الوطنية لا منحةً يمنحها الآخرون له. فحيث تتوحد الدولة تترسخ السيادة، وحيث تترسخ السيادة تُصان المصالح الوطنية، وحيث تُصان المصالح الوطنية يستعيد لبنان موقعه بوصفه دولةً لا مجرد مساحة جغرافية تتنازعها الانقسامات والتحوّلات الإقليمية. 

* باحث أكاديمي حقوقي في القانون الدولي