نحو مؤتمر إقليمي للأمن والتعاون في الشرق الأوسط للسيادة المتبادلة
د. حسين محمود رمال*
ليست الأمم الرصينة هي تلك التي تنتظر الأزمات حتى تتفاقم ثم تسارع إلى احتواء نتائجها، بل هي التي تبادر إلى بناء الأطر القانونية والسياسية القادرة على منع النزاعات قبل وقوعها. ومن هذا المنطلق، تبدو منطقة الشرق الأوسط اليوم في حاجة ماسّة إلى مقاربة جديدة تتجاوز منطق الصراعات المفتوحة والمحاور المتقابلة نحو تأسيس نظام إقليمي للأمن والتعاون يقوم على احترام السيادة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية وفق قواعد القانون الدولي.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الأمن الجماعي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل ببناء منظومة قانونية وسياسية مشتركة تؤسس للثقة المتبادلة. ولعل أبرز النماذج في هذا المجال ما عرف بمؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا الذي تُوِّج بتوقيع الوثيقة الختامية الشهيرة في هلسنكي بفنلندا بتاريخ 1 آب/أغسطس 1975، والتي أرست مجموعة من المبادئ الأساسية الناظمة للعلاقات بين الدول الأوروبية، وفي مقدمتها احترام السيادة والمساواة القانونية بين الدول وعدم استخدام القوة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام الحدود المعترف بها دولياً وتسوية المنازعات بالطرق السلمية.
وانطلاقاً من هذه التجربة، يصبح من المشروع التفكير جدياً في الدعوة إلى مؤتمر إقليمي للأمن والتعاون في الشرق الأوسط تشارك فيه الدول العربية الرئيسية، وفي مقدمتها مصر ودول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب إيران والدول المؤثرة الأخرى في الإقليم، بهدف الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار.
أولاً: الأساس القانوني الدولي للمؤتمر الإقليمي
يقوم أي مشروع إقليمي جادّ على مرتكزات قانونية راسخة، وفي مقدمتها أحكام ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما مبدأ المساواة في السيادة بين الدول الوارد في المادة الثانية من الميثاق، ومبدأ حظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي، ومبدأ حل النزاعات بالوسائل السلمية.
كما يستند المؤتمر إلى مبادئ إعلان العلاقات الودية والتعاون بين الدول الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 2625 بتاريخ 24 تشرين الأول/أكتوبر 1970، والذي يُعدّ من أهم الوثائق المفسرة للقواعد الأساسية للقانون الدولي المعاصر. فقد أكد الإعلان بصورة قاطعة احترام السيادة وعدم التدخل وحق الشعوب في تقرير مصيرها والتعاون بين الدول على أساس المساواة القانونية.
ومن شأن هذه القواعد أن تشكل الأرضية القانونية المشتركة التي تسمح بإقامة نظام إقليمي للأمن الجماعي يحفظ مصالح جميع الأطراف دون هيمنة أو إقصاء أو فرض إرادات سياسية بالقوة.
ثانياً: القضية الفلسطينية وحق العودة في إطار القانون الدولي
لا يمكن لأي مشروع إقليمي للأمن والاستقرار أن يتجاهل القضية الفلسطينية باعتبارها إحدى القضايا المركزية في المنطقة.
ومن منظور قانوني دولي، فإن حق الإنسان في العودة إلى وطنه لا يستمد أساسه الحصري من القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1948 و الذي يكرس الاحتلال من خلال ما ورد من السماح له لمن يرغب ولكن لا يرغب بالعودة كما جاء بالفقرة 11 من القرار فضلا عن العودة الفردية دون العودة الجماعية و بالتالي انتفاء صفة حق تقرير المصير كما جاء في ميثاق الأمم المتحدة، بل إن الأساس القانوني الأكثر رسوخاً يتمثل في المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948.
فقد نصت الفقرة الثانية من المادة 13 بوضوح على أن:
«لكل فرد حق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده».
وتكمن أهمية هذه المادة في أنها تخاطب الإنسان بوصفه صاحب حق أصيل، وليس بوصفه موضوعاً لتسوية سياسية أو تفاوضية. فالحق هنا يرتبط بالشخص ذاته ولا يتوقف على إرادة دولة أو اتفاق سياسي أو ميزان قوى دولي.
كما تعزز هذا الاتجاه لاحقاً المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، التي كرست حق الفرد في الدخول إلى بلده وعدم حرمانه تعسفاً من هذا الحق.
أما القرار 194، وخصوصاً الفقرة الحادية عشرة منه، فقد صدر في ظروف سياسية خاصة أعقبت حرب عام 1948، وجاء ضمن إطار توصيات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي لا تتمتع من حيث الأصل بالقوة الإلزامية المقررة لقرارات مجلس الأمن الصادرة استناداً إلى الفصل السابع من الميثاق.
وعليه، فإن ربط حق العودة حصراً بالفقرة 11 من القرار 194 يعرّض هذا الحق لخطر التفسير السياسي والتفاوضي، في حين أن تأسيسه على القواعد العامة لحقوق الإنسان وعلى النصوص الدولية اللاحقة يمنحه أساساً قانونياً أكثر ثباتاً واستقلالاً عن التجاذبات السياسية.
ثالثاً: لجان المتابعة وآليات التنفيذ
إن نجاح أي مؤتمر إقليمي لا يتحقق بمجرد انعقاده أو إصدار بيانات ختامية عنه، بل يستلزم إنشاء لجان متابعة دائمة ومتخصصة تتولى تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
ومن المناسب أن تنبثق عن المؤتمر لجان قانونية وأمنية واقتصادية وبيئية وثقافية، إضافة إلى آلية دورية لمراجعة الالتزامات المتبادلة بين الدول المشاركة، بما يضمن الانتقال من مرحلة إعلان المبادئ إلى مرحلة التطبيق الفعلي.
كما ينبغي أن تتمتع هذه اللجان بولاية واضحة ومحددة زمنياً، وأن ترفع تقارير دورية إلى القمم الإقليمية اللاحقة بما يضمن استمرارية العمل المؤسسي وعدم تحوله إلى مجرد إطار سياسي عابر.
رابعاً: السيادة المتبادلة أساس الاستقرار الإقليمي
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الأمن لا يقوم على إضعاف الدول أو تفكيكها أو التدخّل في شؤونها الداخلية، بل على احترام سيادتها وتعزيز قدرتها على إدارة شؤونها الوطنية بحرية واستقلال.
ومن هنا فإن المؤتمر الإقليمي المنشود يجب أن يؤسس لميثاق إقليمي يقوم على احترام الحدود الدولية المعترف بها، ورفض تغييرها بالقوة، واحترام استقلال القرار الوطني لكل دولة، ورفض استخدام الجماعات المسلحة أو الضغوط الاقتصادية أو الإعلامية وسيلة للتأثير على الخيارات السيادية للدول الأخرى.
وعليه، فإن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في دوامة الأزمات المتلاحقة التي تستنزف قدرات دوله وشعوبه، وإما الانتقال إلى مرحلة جديدة قوامها التعاون المؤسسي المنظم المستند إلى قواعد القانون الدولي العام ومبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل للسيادة.
ومن ثم فإن الدعوة إلى مؤتمر إقليمي للأمن والتعاون ليست ترفاً فكرياً ولا مبادرة دبلوماسية عابرة، بل ضرورة استراتيجية وقانونية تفرضها طبيعة التحديات الراهنة. فاستقرار المنطقة لا يتحقق عبر موازين القوة المتقلبة، وإنما عبر منظومة قانونية إقليمية تحترم سيادة الدول وتمنع التدخل في شؤونها الداخلية وتؤسس لشراكة متوازنة بين جميع مكوناتها.
وفي هذا الإطار، يبقى احترام حق الإنسان في العودة إلى وطنه، كما كرسته المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وسائر الصكوك الدولية اللاحقة، جزءاً من منظومة الحقوق الأساسية الملازمة للكرامة الإنسانية، بعيداً عن اختزاله في التفسيرات السياسية الضيقة أو ربطه حصراً بنصوص توصيات دولية صدرت في ظروف تاريخية محددة. فاستقرار الإقليم لا ينفصل عن احترام القانون الدولي، كما أن احترام القانون الدولي لا يكتمل إلا بصون حقوق الإنسان وسيادة الدول معاً ضمن معادلة متوازنة تضمن الأمن والعدالة في آن واحد و من هذا المنطلق يمكن لمؤتمر كهذا بعدا الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أن يؤسس لعلاقات واضحة بين دول المنطقة وتعزيز الثقة بين الدول العربية وإيران والتأسيس الحقيقي لإقامة دولة فلسطينية حقيقية بعد تقرير المصير لا دولة وهمية و الغاء حق تقرير المصير كما جاء في اتفاق اوسلو العام 1993.
* باحث أكاديمي حقوقي في القانون الدولي






