بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 أيار 2026 12:05ص هل تتحوّل الصين بعد زيارة الرئيس الأميركي إلى وسيط أخير قبل اتّساع المواجهة؟

بعد رفض ترامب المقترح الإيراني لوقف الحرب.. 3 سيناريوهات للمرحلة المقبلة

حجم الخط
تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة التي سيقوم بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى الصين، في توقيت بالغ الخطورة إقليمياً ودولياً، خصوصاً بعدما أغلق الباب أمام موجة التفاؤل التي رافقت الحديث عن إمكان التوصل إلى تفاهم مع إيران، عبر رفضه الحازم للمقترح الإيراني المتعلق بوقف الحرب. فذلك الرفض لم يكن مجرد موقف تفاوضي عابر، بل حمل في مضمونه رسالة سياسية وعسكرية واضحة مفادها أن واشنطن لم تعد مستعدة لقبول حلول جزئية أو تسويات رمادية، وأنها تريد تغييراً جذرياً في سلوك طهران الإقليمي والعسكري والنووي.
وفي هذا المناخ المشحون، تكتسب زيارة ترامب إلى الصين أهمية استثنائية، لأنها قد تتحوّل إلى محطة حاسمة في رسم اتجاه الأزمة المقبلة، إما نحو ضغوط دولية مركزة تدفع إيران إلى تقديم تنازلات كبيرة، وإما نحو مرحلة أكثر خطورة قد تتدحرج إلى مواجهة مفتوحة في المنطقة.
الملف الإيراني سيكون بلا شك في صدارة المحادثات بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ فواشنطن تدرك أن بكين تملك مفاتيح مؤثرة في العلاقة مع طهران، سواء من خلال الشراكة الاقتصادية والاستثمارات الكبرى، أو عبر شراء النفط الإيراني، أو من خلال الغطاء السياسي الذي توفره الصين لإيران داخل المؤسسات الدولية. ومن هنا، يبدو أن ترامب سيحاول إقناع القيادة الصينية باستخدام نفوذها للضغط على الإيرانيين من أجل خفض سقف المواجهة والتجاوب مع الشروط الأميركية.
ومن المتوقع وفق مصادر مطّلعة أن يركّز ترامب خلال محادثاته على أربعة ملفات أساسية: البرنامج النووي الإيراني، وتخصيب اليورانيوم، والصواريخ الباليستية، ودور الأذرع العسكرية المرتبطة بطهران في المنطقة. فالإدارة الأميركية تعتبر أن أي اتفاقا جديدا لا يمكن أن يقتصر على الجانب النووي فقط، بل يجب أن يشمل مجمل النفوذ الإيراني الممتد من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن.
في المقابل، ستتعامل الصين مع هذه المطالب بحذر شديد، فهي لا تريد انهيار العلاقة مع إيران، لأنها ترى فيها شريكاً استراتيجياً مهماً ضمن مشروعها الاقتصادي العالمي، كما أنها لا ترغب في انفجار عسكري كبير يهدّد خطوط الطاقة والتجارة الدولية. لكن بكين في الوقت نفسه لا تريد الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن، خصوصاً في ظل التعقيدات الاقتصادية العالمية والحرب التجارية والتكنولوجية المتصاعدة بين القوتين.
لذلك قد تحاول الصين لعب دور «الوسيط الهادئ»، عبر الدفع نحو صيغة تفاوضية جديدة تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف. وقد تعرض أفكاراً تقوم على التهدئة التدريجية: تجميد بعض الأنشطة النووية الإيرانية مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، أو فرض ترتيبات أمنية مؤقتة في الخليج ومضيق هرمز لتجنّب أي انفجار عسكري واسع.
وفي اعتقاد المصادر أن المشكلة الأساسية تكمن في أن موقف ترامب يبدو أكثر تشدّداً من السابق. فالرئيس الأميركي يريد اتفاقاً مختلفاً تماماً عن الاتفاقات السابقة، ويعتقد أن سياسة الضغط القصوى بدأت تعطي نتائج، وأن إيران تعاني اقتصادياً وسياسياً بما يكفي لدفعها نحو تقديم تنازلات مؤلمة. ولهذا فإن رفضه المقترح الإيراني جاء ليؤكد أنه لا يريد مجرد وقف مؤقت للتصعيد، بل يريد إعادة صياغة قواعد الاشتباك بالكامل.
ومن هنا تبدأ السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة.
السيناريو الأول يتمثل في نجاح الصين في احتواء التصعيد. وفي هذه الحالة قد تنجح بكين في إقناع طهران بإبداء مرونة أكبر، سواء عبر العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط معدّلة أو عبر تقديم إشارات تهدئة في ملفات حسّاسة مثل تخصيب اليورانيوم أو أمن الملاحة البحرية. وهذا السيناريو قد يمنح المنطقة فترة هدوء نسبي، ولو مؤقتة، ويعيد فتح قنوات التفاوض غير المباشر بين الأميركيين والإيرانيين.
أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحاً لدى كثير من المراقبين، فيقوم على استمرار المراوحة السياسية مع تصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية. بمعنى أن واشنطن ستواصل سياسة الخنق الاقتصادي، بالتوازي مع تكثيف التحركات العسكرية في المنطقة، فيما ستردّ إيران عبر رسائل ميدانية غير مباشرة، سواء في الخليج أو عبر حلفائها الإقليميين. وهذا السيناريو يبقي المنطقة فوق فوهة بركان، من دون الانزلاق الكامل إلى الحرب الشاملة.
السيناريو الثالث يتمثل في فشل الجهود الصينية بالكامل، ووصول العلاقة الأميركية - الإيرانية إلى مرحلة الانفجار الكبير. وهذا الاحتمال يصبح قائماً إذا شعرت واشنطن بأن إيران تقترب من العتبة النووية أو إذا تعرّضت المصالح الأميركية أو الإسرائيلية لهجمات كبيرة، عندها قد تلجأ الولايات المتحدة إلى ضربات عسكرية مباشرة تستهدف منشآت نووية أو قواعد عسكرية حسّاسة، ما قد يدفع المنطقة إلى مواجهة غير مسبوقة تشمل أكثر من جبهة في وقت واحد.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن الحسابات الإسرائيلية أيضاً، إذ تراقب Israel بدقة مسار التوتر بين واشنطن وطهران، وتدفع باتجاه تشديد الضغوط على إيران. فتل أبيب ترى أن أي تسوية لا تتضمن تقليصاً فعلياً لقدرات إيران العسكرية ستبقى ناقصة وخطيرة.
وفي موازاة ذلك، تبدو دول المنطقة في حالة ترقّب وقلق شديدين، لأن أي مواجهة واسعة لن تبقى محصورة بين الأميركيين والإيرانيين، بل ستنعكس على أسواق النفط والممرات البحرية والاستقرار الأمني والاقتصادي في الشرق الأوسط بأكمله.
لهذا تبدو زيارة ترامب إلى الصين أبعد من مجرد محطة دبلوماسية عادية. إنها محاولة لرسم توازنات جديدة في لحظة دولية شديدة التعقيد، حيث تختلط الحسابات النووية بالمصالح الاقتصادية والنفوذ الجيوسياسي. وبين تشدّد واشنطن وحذر بكين وتمسّك طهران بشروطها، تبقى المنطقة معلقة بين احتمال التسوية الصعبة واحتمال الانفجار الكبير.