من الأمراض التي يعاني منها مجتمعنا، وهي كثيرة، مرض أُحبّ أن أسمّيه : «محنة أو الصراع على الصفّ الأول» ومن علامات هذا المرض أن يبقى مختفياً، الى أن يظهر بصورة واضحة وبيّنة ومؤسفة خلال الاحتفالات التي تُقام في المناسبات الرسمية والإجتماعية على حدّ سواء ، حيث يبدأ صراع «الديوك» في الإصرار على الجلوس في الصف الأول من قاعة الاحتفالات، لأنه كما يعتقد بعضهم «كبير القوم» وصاحب المقام الرفيع، كما أنهم يظنوا أيضاً بأن المكان دليل وجاهة وزعامة! وحين نقول ويؤكد الكثير من أصحاب العقول النيّرة، أن هذا الكلام غير صحيح، لأن الإنسان يُقاس بوعيه وعلمه وثقافته، وليس بالمكان الذي يجلس عليه، وإن ما اندرج على إتباعه «بروتوكولياً» إنما من أجل التنظيم لا أكثر و لا أقلّ، إذ من غير المعقول أن تُترك الأمور تجري على عواهنها، بل من الضروري تنظيمها وترتيبها حتى تستقيم الحياة، أما إذا كان المقصود رفض التميّز الرسمي للرؤساء والوزراء وسواهم مرفوضاً، فهذا أمر أخر، وإن البشر سواسية، فهذه قضية لها أسبابها الاجتماعية والسياسية، وهذا لعمري من الحسّ الحضاري الذي امتلكه الإنسان دون سواه من الكائنات الحيّة، وأعتقد أن المكان يكبر بصاحبه وليس العكس، من هنا لا مبرّر لهذا المرض الذي يؤدي أحياناً إلى إنسحاب البعض من الاحتفالات، خاصة إذا طلب منهم الجلوس في الصف الثاني !!
من هنا نسأل : كم كيلومتراً يجب أن يكون الصف الأول حتى يتمّ إرضاء بعض الرافضين؟! وقد علّق أحد الظرفاء على الأمر قائلاً: «لماذا لا تُبنَ القاعات بالعرض فقط؟» على غرار ما طلبه أحدهم من شركة سيارات أن تصنع له «باصاً» بالعرض حتى يجلس الجميع الى جانب السائق؟! هذه المشكلة إن دلّت على شيء إنما تدلّ على سطحية في التفكير وغرور وفوقية.. فمتى سنتخلّص من هذا المرض المزعج الذي يدعو الى الشفقة والسخرية؟..