د. مصطفى عبد القادر
في ليلة ظلماء من ليالي كانون الثاني 1992 حصل اصطدام بين سيارة مسرعة وأخرى متوقفة بجانب الطريق لأحد زملاء الدراسة في الشقة التي كنا نسكن فيها خلف أوتيل الكومودور في الحمراء في بيروت بشارع ليون، نزلنا نحن الطلاب لنرى ما الأمر، وإذا بالصادم رفع صوته علينا، فاتصلنا بمخفر حبيش حيث أتت دورية للأمن الداخلي، تبيّن أنها والصادم أصدقاء ما أدّى إلى ميلهم تجاهه، فرفضت شخصياً هذا الواقع، فقام محمد عكاوي من الدورية بالتلأمن عليّ واصطحبني إلى مخفر حبيش واحتجزني لبعض الساعات ثم تركني.
كان مكتب المحامي كمال حديد قريب من سكني، ذهبت إليه وقصصت عليه الحادثة وقال لي أذهب إلى مخفر حبيش وادّعي على الدورية وكان هناك رائد من آل غلاييني وحوّلت الدعوة إلى قائد شرطة بيروت العميد إسكندر عجاقة، وطلب العميد عجاقة حضوري يوم 6 أيار يوم سقوط حكومة عمر كرامي الأولى في الشارع.
ذهبت مع المحامي كمال حديد وكان برفقته المحامي الدكتور عدنان بدر والمرحوم المحامي محمد عفرة، وعند دخولنا عند العميد عجاقة ارتبك أمام لجنة المحامين وقال أنا طلبت مصطفى للشهادة فقط وليس لأمر آخر ومحمد عكاوي اليوم في الشارع من أجل التظاهرات والاضطرابات وانتهى الأمر وأجّل اللقاء مع محمد عكاوي إلى 22 أيار 1992 وحضرت لوحدي وقام العميد بتأديب عكاوي يدوياً.
استمر المحامي كمال حديد بمتابعة الملف عند العميد، لكن عجاقة اعتبر أن ما قام به يردّ لي حقي وتم ضب الملف بالدرج.
كمال حديد الأستاذ والمحامي لم يرضَ هذا التصرف من رجل أمن مع طالب جامعي أتى من عكار إلى العاصمة ليتعلم، والأستاذ كمال مارس مهنة التعليم منذ بداية السبعينيات وتخرّج من دار المعلمين والمعلمات وبقي مدرّسا حتى تقاعده وكان يمارس مهنة المحاماة إلى جانب مهنة التدريس ومن الصعوبة أن تجد من أمثاله يجمع بين الاثنين وربما هو الوحيد الذي كان يعمل هذا العمل على مستوى الوطن رحمة لله عليه.
كان لقب الأستاذ السائد بين من عرفه من التلاميذ والطلاب والقرى التي درس فيها في العرقوب وضيعته الهبارية، وعندما أبعدته القوات الصهيونية إلى بيروت ألحق في مدارسها وعلّم تلاميذ بيروت.
لم يكن العمل المهني فقط يستهوي الأستاذ والمحامي فقط، بل كانت السياسة ولعه منذ أواخر الستينيات وقد ناضل في الجنوب وقرى العرقوب وفي قلب بيروت وكلّف بمسؤوليات عدة علنية وسرية من مسؤولية العلاقات السياسية في المؤتمر الشعبي اللبناني ونيابة رئيس المؤتمر التنفيذي عمليا في غياب رئيسه المرحوم كمال شاتيلا، إلى اختياره رئيساً للمؤتمر في مؤتمره الأخير كانون الثاني 2024.
الوفاء لكمال حديد هو أن يعمل المرء بما سعى له طوال حياته وأهمها نصرة المظلوم.