بيروت - لبنان

اخر الأخبار

2 حزيران 2026 12:00ص ماذا بقي لنا؟

حجم الخط
محمد جارودي

لم تعد المسألة خلافاً سياسياً، ولا وجهة نظر تحتمل الأخذ والرد، ولا سجالاً بين مؤيد ومعارض..
لقد تجاوزنا كل ذلك.
نحن أمام مأساة حقيقية يعيشها وطن بأكمله، وأمام مشهد من الخراب يجعل الإنسان يتساءل إن كان ما يراه حقيقة أم كابوساً طويلاً لا يريد أن ينتهي.

ماذا بقي لنا؟

هذا السؤال يخرج اليوم من بين أنقاض القرى الجنوبية، ومن بين الحجارة المتناثرة التي كانت يوماً منازل عامرة بالدفء والحياة، ومن عيون الناس الذين أنهكتهم الحروب حتى لم يعودوا يعرفون كم مرة دفعوا الثمن وكم مرة طُلب منهم الصبر.
لقد تعبت الناس..
تعبت من انتظار الوعود..
وتعبت من دفن الأحبة..
وتعبت من ترميم البيوت لتعود فتهدم من جديد..
وتعبت من سماع الانتصارات في الخطابات فيما ترى الخسائر بأمّ العين.
نحن لا نتحدث فقط عن بيوت دُمّرت أو طرقات تهدمت أو أراضٍ أُحرقت..
نحن نتحدث عن ذاكرة وطن..
عن تاريخ عمره آلاف السنين..
عن معالم بقيت شاهدة على مرور الحضارات وتعاقب الأجيال، فإذا بها اليوم تتعرض للتدمير والاندثار.
حتى التاريخ لم يعد بمنأى عن هذه المأساة..
حتى الحجارة التي صمدت في وجه القرون بدأت تتساقط..
وكأن الخراب لم يعد يكتفي بالحاضر، بل يريد أن يلتهم الماضي أيضاً.
قولوا لنا شيئاً واحداً يجعلنا نصبر.. شيئاً واحداً فقط.
أعطونا سبباً واحداً يجعل كل هذا الألم مفهوماً.
أعطونا أملاً واحداً نستطيع أن نحمله إلى أولادنا.
أعطونا جواباً واحداً عندما يسألنا أبناؤنا ماذا جنيتم من كل هذه التضحيات؟
أما آن الأوان أن نتوقف قليلاً ونسأل أنفسنا إلى أين وصلنا؟
أما آن الأوان أن ينتصر العقل على العناد؟
أما آن الأوان أن ننظر إلى الواقع كما هو، لا كما نريده أن يكون؟
لسنا ضد الكرامة.. ولسنا ضد الدفاع عن الأرض.. ولسنا ضد أي حق مشروع.. لكن من حقنا أيضاً أن نسأل عن الإنسان الذي يدفع الثمن في كل مرة.
من حقنا أن نسأل عن الوطن الذي يزداد ضعفاً وفقراً وخراباً.
ومن حقنا أن نسأل عن المستقبل الذي يبتعد أكثر فأكثر مع كل جولة جديدة من الألم.
نحن بشر، نشعر، ونفكر.. ونرى ما آلت إليه الأمور.. ونرى القرى الجريحة.. ونرى البيوت الخالية.. ونرى الشباب الذين يغادرون لأنهم فقدوا الثقة بالغد.. ونرى وطناً يتعب أكثر مما يحتمل.
وفي خضم هذا الحزن الكبير، يتردد في داخلنا ذلك السؤال الذي يشبه وجع اللبنانيين جميعاً:
وينن، الوجوه التي ملأت حياتنا أملاً؟
وينن، الأصوات التي وعدتنا بغد أفضل؟
كيف صار بين أحلامنا وبين واقعنا كل هذا الوادي من الخيبة والوجع؟
لقد أصبح السؤال أكبر من أغنية، وأكبر من لحظة حنين.
أصبح سؤال وطن بأكمله يبحث عن نفسه بين الركام.
لسنوات طويلة قيل لنا اصبروا، فصبرنا. وقيل لنا تحمّلوا، فتحملنا. وقيل لنا إن الغد سيكون أفضل، فانتظرنا.
لكن إلى متى؟..
وكم بقي في قلوب الناس من قدرة على الاحتمال؟
إن الأمم العظيمة ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي تمتلك شجاعة مراجعة نفسها عندما تكتشف أن الأثمان أصبحت أكبر من قدرة الناس على الدفع.
والحكمة ليست ضعفاً، والمراجعة ليست استسلاماً، والاعتراف بالواقع ليس هزيمة.
الهزيمة الحقيقية هي أن نرى كل هذا الخراب ثم نتصرف وكأن شيئاً لم يحدث.
لقد خسر لبنان الكثير، وخسر الجنوب الكثير، وخسر الناس أكثر مما تستطيع الكلمات أن تصف.
بيوت تهدّمت، وأرواح رحلت، وأحلام تبعثرت، وأجيال كاملة كبرت على أصوات الحروب أكثر مما كبرت على أصوات الحياة.
واليوم لم يعد الخوف على الحاضر وحده، بل على التاريخ أيضاً، على الذاكرة، على الشواهد التي بقيت تحكي للأجيال أن هنا مرّت حضارات، وهنا عاش أناس أحبوا هذه الأرض وتمسّكوا بها رغم كل شيء.
لقد دُمّرت البيوت، ورحل الأحبة، وتعب الناس، وبدأ التاريخ نفسه يتساقط تحت الركام.
فإذا كان كل هذا لا يكفي لمراجعة المسار، فماذا يمكن أن يكفي؟
هذا وطن ينادي من تحت الأنقاض... فهل من مجيب؟