يروي رحيل اللواء لطفي جابر الكثير من سمات الرجل التي لازمته في حياته العسكرية والسياسية والشخصية.
فوراء الصورة الحديدية الظاهرة، تكمن أخرى تعكس جانباً عاطفياً للرجل، ظهر بغزارة مؤلمة في مرحلته العمرية الأخيرة.
في وجهه العسكري، لم يكن «أبو حيدر» يوماً من محبي الظهور أو الإعلام. كان من رجال الظل الذين صعدوا زمن مجد «الدولة» ثم شهدوا انقساماتها وانهيارها قبيل إعادة تركيبها بما لا يشبه شيئا من ماضيها الجميل.
سيروي التاريخ المكتوب للحرب الأهلية وذلك الذي سيُكتب لاحقا بعض محطات الرجل، لكن حديثنا هنا سيكون عن خصال الرجل الذي اعتصم بالصمت ورفض تناول الكثير من أسرار تلك الحرب البشعة ورجالاتها.
قبل ذلك، وللتاريخ، سنتوقف عند محطتين مفصليتين للحرب تعكسان مبدئية الرجل وتعاكسان إلى حد ما سردية تموضعه السياسي في تلك الحرب البشعة.
فالعسكري الكتوم، المؤمن بهيبة الدولة، أسرّ لي يوماً عن مقاومته الطويلة لضغوطات الإنقلاب عليها، وحيثيات دوره في إنتفاضة 6 شباط 1984 في وجه الحكم الفئوي لجيش الرئيس أمين الجميل.
فعلى عكس تصويره متمرداً على الدولة عند قيادته اللواء السادس (صاحب الصبغة الشيعية)، كان يردد دوما أنه رجل توحيد وليس انقسام، يرفض المذهبية كرفضه للميليشيات ولـ»زعرناتها» التي عانى نفسه منها (وشهدنا بعضها فقد جمعتنا جيرة طويلة حتى رحيله).
المحطة الثانية كانت حقيقة رفضه لفخ توزيره من حصة الطائفة الشيعية في الحكومة العسكرية التي شكلها العماد ميشال عون العام 1988، حين استقرت البلاد على انقسام مرير بين حكومة عون في المنطقة الشرقية وحكومة سليم الحص في المنطقة الغربية.
وبعيداً عن مقولة الضغوطات التي مورست عليه، فهو اعتبر حكم عون إمتداداً للحكم السابق، وسارع إلى رفضه كونه يفتح باب أزمة أكبر ولا يقدم حلّاً، من دون التماهي في المقابل مع مشروع اللادولة وتجاوزاته.
وإذا كانت المجالس بالأمانات، خاصة مع من مثله، ففي هذين المثلين الكثير من شخصية الرجل الذي بقي على حنينه لزمن الدولة بعد وضع الحرب الأهلية لأوزارها وتدرجه الأكبر في المناصب العسكرية (وصل إلى منصب مدير عام الإدارة في وزارة الدفاع)، التي لم تشبه أبدا مثال الدولة الماضية، وكانت المفارقة أن الدولة الآفلة هي التي شهدت ترقيه وصعود نجمه.
مع انتهاء خدمته في السلك العسكري قبل 26 عاماً، ظهرت شخصية أخرى، لعلها الحقيقية، الشخصية الإنسانية الإنطوائية تجاه دائرته الصغرى العائلية والمقربة.
وبقدر جماليتها، فإننا نعثر داخل صورته هذه على مبررات الرحيل. ففي سنواته الأخيرة شكل الحارس الحنون لرفيقة دربه، سلوى جابر، خلالها معاناتها مرضها الخبيث. كابر طويلا منكراً الحقيقة حتى دقت ساعة رحيلها، وبعد أن لازمها على فراش مرضها، لازمته بعد رحيلها في كل لحظة، فتسلل المرض بسرعة البرق إلى جسده الثمانيني خاطفا إياه قبل ان يستذكر زوجته في الذكرى السنوية الأولى لها (رحلت عن دنيانا في 24 آب الماضي).
تروي عائلته الكثير، رغم لحظات الألم، عن العسكري الذي كان يخلع بزته فور وصوله إلى المنزل. فهو لم يكن يمارس سلطته العسكرية إلا حيث يجب وليس على عائلته، مبعداً مشاكل ومعارك الخارج عن خصوصية البيت. كان الأب العطوف على الأبناء، حيدر وبسام ومحمد، الذين وفر لهم الهامش الكامل للاستقلالية وبالتالي النجاح، لكن أيضا مع عدم التدخل لصالحهم، فقد كان معروفا بكرهه للواسطة وللمُتوسِّطين.
رحل لطفي جابر، الكاريزمي من دون تكلف، الدمث من دون مبالغة، المحب من دون حدود. ولعله لن يكون حزينا بمغادرة هذه الدنيا وعزلتها المؤلمة. فلا طعم لها بعد الآن. ولعله سيلتقي من أحب من جديد.. في الحياة الأخرى.