أحجية لبنان
هل هناك إمكانيّة لفصل مايجري خارج لبنان وداخله؟ وإذا ما كان الجواب بـ "نعم”، فهل هذا ما نعيشه واقعًا؟ كيف ذلك، وجميع الجهات في الداخل مرتبطة بجميع الجهات في الخارج؟ والمشكلة ليست هنا. إنما في واقع لبنانيّ يزداد تأزّمًا وتدهورًا، على أكثر من صعيد، إن لم نقل على الصعد كافّة.
قِمَم الرياض، ما قبلها وما بعدها، من مؤتمرات واتفاقات وقِمم أيضًا، لم تنتج لدى السياسيين اللبنانيين وعيًا بخطورة الوضع الداخليّ، وضرورة إنتاج اتفاق محلّي يراعي الحساسيّات، والانقسامات والمخاوف، التي صنعناها نحن، بدل الاختباء كلٌّ وراء مذهبه، وتجييش شارعه. هذا قبل الدخول فيضرورة، ليس التنبّه، إذ عبرنا هذه المرحلة دون أيّ تقدّم يُذكَر، إنّما إلى ضرورة حلّ القضايا المعيشية الأساسيّة، ومعالجة الأزمات: التعليم، الاستشفاء، الأمن، النفايات، الكهرباء…. والتعاون لحلّها.
المسألة، كما بات معروفًا،لعبة مقاعد نيابيّة، أي بمعنى آخر، حضور فعّال على الساحة السياسيّة من خلال امتلاك سلطة القرار، عبر الحصول على أكبر عدد من النواب الموالين. لكن، في المقابل، هناك حضور آخذ بخسارة فاعليّته عهدًا بعد آخر، وقِمّة بعد أخرى. حضور الوطن لبنان، لم يعد كما كان، لا داخليًا ولا خارجيًّا حتى. وذلك كلّه نتيجة ما حدث ويحدث، ما مضى وما سيأتي. كيف يمكن لسياسيّ أن يحضر في ظلّ غياب وطنه. هذا الوطن المتمثّل بدوره وديمقراطيّته وصونه لوحدته، والتزامه بقراراته، واحترام شعبه للأنظمة والقوانين، ورفع المواطن إلى مستوى المواطَنة والإنسانيّة.
هذه اللعبة، تنقلب على رؤوس الجميع، بل انقلبت. حيث سيستفيقون على لاشيء، لاوطن، سواء داخليًّا، بفعل الفساد والانقسام، وخارجيًّا بفعل التحالفات المشتّتة، كلُّ فريق على حدا. ولا نستطيع القول أنّ الخسارة لن تكون على المدى المنظور، لأنّنا بدأنا نرى نتيجة فسادنا خرابًا، ونتجية انقسامنا ضعفًا وخوفًا.
لا وطن، لمَن لا فكر له. لا وطن لمَن لا قرار له، لا استقرار، لا اقتصاد، لا أمن، لا ركيزة، لا إنتاج، والأخطر، لا شباب له. بعضهم يعمل، وبعضهم الآخر يتعلّم، ولكن في الخارج. باختصار، لا وطن.
لا يحتاج ما وصلنا إليه، إلى حلول مرحليّة، بل إلى تغيير جذري في الأوساط السياسيّة، بناء على تاريخها، وما أوصلتنا إليه قراراتها. وبالتالي إلى إعادة خلط الأوراق، وإطلاق المفاوضات، تحضيرًا للمرحلة المقبلة، قبل الدخول في الفوضى، في ظلّ عدم الوصول لقانون انتخاب جديد، وعوضًا عن الاستمرار في عرض برنامج "أحجية لبنان”، من عهد إلى آخر، وإعادة الأمل بمَن لا أمل يُرتَجى منهم. فلنرتهن لأنفسنا، لما نستطيع أن نبنيه في وطننا. قبل أن يصبح الداخل خارجًا.





