ليكون لنا وطنا
كلّنا مسؤولون عن حال البلد، وحالنا التي وصلنا إليها. مأساة تعقبها أخرى، وخوف وهروب وإحباط. نتفنّن في إيجاد الحل البديل، عوضًا عن مواجهة الخلل ومحاربته، والتمسّك بالموقف الأساسي الحقيقي، الموقف الذي يبني ويؤسّس لبلد تتوفّر فيه مقوّمات العيش بكرامة ورفاهيّة.
الخوف في أعماقنا، وإرثنا القائم على التعوّد سواء على حكم الانتداب، أو التدخلات أو الزعامات الناتجة عن تلك المراحل كلّها، هو ما دفعنا إلى استبدال القانون بالفساد، والديمقراطيّة بالتزلّم، والحقوق بالخدمات، والمواطنيّة بالطائفيّة، ما أدّى إلى استبدال وطننا بأوطان أخرى بهدف العلم أو العمل أو مجرّد العيش بأمان، خوفًا من المواجهة، خوفًا من قول كلمة حق، خوفًا من بناء وطن. ذلك كلّه ولم نكتفِ، بل استبدلنا القاعدة بالاستثناء، والصح بالخطأ، والقوة بالضعف، وسِرنا كمَن لا فكر له، كمَن لا انتماء له، كمَن لا مسؤوليّة تقع على عاتقه.
ما نحن فيه الآن، ليس ذنب أحد، وحلّه لا يحتاج قرارًا دوليًّا، ولا إستقرارًا إقليميًّا، ولا يتوقّف على نتائج المباحثات السعوديّة الإيرانيّة، ولا كل تلك الأعذار التي صدّقناها بملء إرادتنا، ليس لأننا أغبياء، بل لأننا ضعفاء خائفون. خائفون من كل أحد، حتى من أنفسنا. خائفون حتى من أن نخسر خسارتنا.
سنوات تمرّ، والحال إلى أسوأ، ومحاولات الإصلاح والترميم يعيقها كابوس الخوف والتبعيّة والانقسام. اعتدنا الجمود والترقّب والتردّد. اعتدنا المتاجرة بأنفسنا، بدءًا من بيع صوتنا، وليس ختامًا بشهادتنا زورًا أو صمتنا عن كلّ ما يجري. كلٌّ يصفّق من جهة، ربّما لسياسيّ يتبعه، أو لرجل دين يرأسه، لكن، بمجرّد تأمّل المشهد كاملًا، ندرك أنّنا لا نصفّق، بل أنّ أيدينا تمتدّ على بعضنا، يصفع أحدنا الآخر، مع كل حق مسلوب، مع كل تجاوز، مع كل خطأ. وإلّا كيف تراكم هذا الفساد كلّه: دين وعجز ومحاصصة ومبايعات بالجملة ؟ يقابلها فقر وجهل وجرائم بالجملة. كيف خسرنا حقوقنا، حقًا تلو آخر: حريّة، تعليم، استشفاء، شيخوخة، ماء، كهرباء، اتصالات…؟ هل، حقًا، يحتاج تأمينها كل ما مررنا ونمرّ به من أزمات وصراعات؟
زعماؤنا هم نتاجنا، وسياستهم هي نتيجة لا انتمائنا لوطننا. منقسمون في أعماقنا حتى على ذواتنا، نبحث عن فرص أفضل، دون أن نفكّر في خلق هذه الفرص في بلدنا، نبحث عن بلاد الحرية والديمقراطية والرقيّ والعمل، وكأنّ الموقع الجغرافي هو الذي يصنع بلدًا وليس أهله. نضحك على أنفسنا، ونشتري الحقيقة بالوهم، والهويّة بالإقامة، والله بالطوائف، والمستقبل بالآنيّ.
كلّنا مسؤولون عن لبنان،ليكون لنا وطنا.مسؤولون عن بنائه، عن قول كلمة لا، عن القبول بما هو أقلّ من الحفاظ على الكرامة والعيش بسلام.





