المنتج صادق الصباح: هذه هي حكاية إنتاج «الشحرورة»..
حجم الخط
في خلال دردشة جمعتني بالصديق المنتج صادق أنور الصباح، حول فنجان قهوة في مكتبه، سألته، وهو الذي أنتج، من ضمن عشرات المسلسلات، مسلسل «الشحرورة» الذي روى سيرة الراحلة الفنانة «صباح»، إن كانت لديه فكرة أو نية أو رغبة بإنتاج مسلسل آخر عن شخصية فنية أثّرت في المسار الفني خلال العقود المعاصرة السابقة، خصوصاً وان الإقبال على إنتاج مسلسلات السير الفنية قد خفّ في الآونة الأخيرة أو كاد ان ينمحي، بعد مسلسلات «أم كلثوم» و«أسمهان» و«تحية كاريوكا» و«ليلى مراد»، وأخيراً «الشحرورة».. وقد فاجأني المنتج الصديق «صادق الصباح» بردّ فوري، ومن دون أي تردد: بالتأكيد لا.. إن سيرة نجوم الفن، سواء قُدِّمت عبر التلفزيون أو السينما، ما عادت مجدية ولا مغرية إنتاجياً...
قلت: ولكن ما عُرض منها لاقى القبول والإستحسان، وتابعناه على العديد من الشاشات التلفزيونية، في عروض أولى وفي إعادات متكررة على عشرات الشاشات، ما يعني ان مثل هذه الدراما حققت المبتغى إنتاجياً؟.
بهدوئه المعهود عنه قال: ما تفضلت به صحيح.. والمسلسلات التي ذكرتها، بعضها حقق النجاح الكبير كما مسلسل «أم كلثوم»، والبعض الآخر نال نجاحاً مقبولاً، كما مسلسل «أسمهان»، فيما البعض الثالث «مرّ بسلام» على منتجيه!؟.
وتابع شارحاً: مسلسل «أم كلثوم» حقق النجاح الكبير لسببين رئيسيين، أولهما أنه يتناول سيرة «أم كلثوم» الغنية بالدراما، وثانيهما أن تلفزيون الدولة المصرية ممثلاً بقطاع الإنتاج التلفزيوني، هو من تولى تقديمه بميزانية مفتوحة يصعب على أي منتج آخر مجاراتها.. يعني ان عوامل النجاح تهيأت له من خلال الشخصية التي تناولها (أم كلثوم) ومن خلال شهرة ومحطات سيرتها الغنية بالدراما، وأخيراً من خلال الإنتاج الكبير الذي هيأ للمسلسل كل هذا النجاح..
قلت: وماذا عن «أسمهان»؟.
قال: لا انكر أن إنتاج «أسمهان» كان جيداً، لكن علينا الأخذ بعين الأعتبار ان إسم «أسمهان» ارتبط كل الإرتباط باسم شقيقها الموسيقار «فريد الاطرش».. يعني ان المسلسل تناول سيرة شخصيتين فنيتين معروفتين في عالم الغناء، ناهيك عن أن حياة «أسمهان» انتهت بشكل مأساوي ميلودرامي، وحيث قضت غرقاً في «الترعة» (بقعة تتجمع فيها المياه)، وان اتهامات عدّة ترددت حول هذه الحادثة، بعضها نسب حادثة قتلها غرقاً للملك (الراحل) «فاروق» الذي كان حاكماً لمصر عندئذٍ، وبعضها أعاد السبب إلى «الغيرة» التي تملكت من قلب «أم كلثوم»، كما قيل؟! ومثل هذه السيرة تشكّل من دون شك دافعاً قوياً لإنتاج مسلسل..
قلت: يتبقى القسم الثالث.. مسلسلا «قلبي دليلي» الذي قدم سيرة الراحلة «ليلى مراد» ومسلسل «تحية كاريوكا» الذي انتجته ولعبت بطولته الممثلة المصرية وفاء عامر؟.
قال: هذان المسلسلان مرا على منتجيهما «بسلام»، بمعنى ان الإثنين غامرا وهما يحملان الآمال الكبيرة، لكنهما لم يحققا كل المراد.. انا لا انكر جهودهما، ولكنني اشير إلى ان سير أهل الفن، على المستوى الإنتاجي التلفزيوني، لم تعد مجدية؟!
ولأنني وجدت الفرصة سانحة لـ «النيل» من المنتج الصديق، قلت له: لكنك أنتجت منذ بضعة أعوام، وبعد كل الإنتاجات التي ذكرناها، مسلسل «الشحرورة» الذي روى قصة حياة الراحلة المطربة صباح.. ألا ترى في الأمر تضارباً في الآراء؟
قال والابتسامة مرتسمة على وجهه: حكاية إنتاج مسلسل «الشحرورة» أمر ما كان «لا على البال ولا على الخاطر»، وهي حكاية يطول شرح تفاصيلها..
قلت: إلينا آذاً بفنجان آخر من القهوة وأنا على كامل استعدادي لسماع التفاصيل منك شخصياً، لأنك، كما يقال «ابو الصبي»، وقد ترددت إشاعات كثيرة رافقت أنتاج «الشحرورة» وأبرزها تدخل الرئيس الشهيد رفيق الحريري بموضوع الإنتاج؟.
قال: لا، لا، حكاية تدخل الرئيس الشهيد غير صحيحة على الإطلاق، وإنما هو وجد نفسه في هذه «المعمعة»، ومن باب «المساعدة الإنسانية».. لا أكثر ولا أقل!!.
قلت: لنسمع الحكاية من أوّلها..
قال: فوجئت ذات يوم بـ «اقتحام» مكتبي من قبل الزميل الموزع السينمائي عبد الكريم عيتاني، أحد أصحاب عدد من دور السينما في بيروت، وبرفقته زوج الفنانة صباح يومذاك «فادي لبنان».. وبعد السلام والكلام حول شؤون مختلفة، طرح عليّ الزميل عبد الكريم عيتاني السؤال: «أخ صادق.. لماذا لا تنتج مسلسلاً عن حياة الفنانة صباح؟! وكان ردي واضحاً بأنني لست في هذا الوارد، خصوصاً وان لا أحداث درامية مؤثرة في حياة الفنانة يُمكن ن تدفعني إلى مثل هذه «المغامرة»؟!.
وهنا، يتابع صادق الصباح، تدخل فادي لبنان بالقول:
- ولو يا أستاذ صادق.. مقتل أم صباح على يدي ابنها الا يعتبر حدثاً درامياً كبيراً؟ وزيجاتها المتعددة.. ونجاحاتها في مصر... وكل المواضيع الإنسانية التي اشتهرت بها.. وعلاقاتها مع كبار رجالات السياسة مثل الرئيس كميل شمعون... وزواجها من نائب في مجلس النواب (يوسف حمود)... وسواها الكثير من المحطات، الا تغريك بإنتاج مسلسل درامي عن سيرة الصبوحة؟!
ويعلق المنتج صادق الصباح: للحقيقة، وجدت في حكاية مقتل الأم على يدي الابن ما يمكن ان يؤسّس عليه في عمل درامي تلفزيوني، فقلت بعد تفكير، للضيفين:
- موافق على الفكرة، وإنما بشرطين أساسيين لا رجوع عنهما..
وعلى الفور ردّ فادي لبنان: وما هما؟.
قلت: أولاً.. ان توقّع صباح شخصياً على العقد.. وثانيهما ان تقبض الدفعة الأولى (العربون) وبقية الأجر بنفسها..
قال فادي لبنان: لكنني أحمل توكيلاً عاماً عنها؟.
قلت: لا عام ولا خاص.. هذه هي شروطي..
وبعد صمت استمر لثوانٍ قال فادي لبنان:
- موافق..
ويتابع صادق الصباح سرد الوقائع، فيروي: تم تحديد الموعد في منزل السيدة صباح في منطقة الحازمية (قبل ان تنتقل إلى الإقامة في الفندق)، وفي الساعة المتفق عليها، حضرت ومعي كاتب عدل شرعي والمحامي الذي نص بنود العقد، وبعدما شربنا قهوة «الأهلا وسهلا»، تلا المحامي العقد بكل بنوده وشروطه، معلناً بحسب الاتفاق، دفع «عربون» قيمته 25 ألف دولار، ودفعتين ماليتين كل منهما بقيمة 50 ألف دولار في منتصف التصوير، وفي نهايته، وقد وقعت «الشحرورة» على العقد، وأكّد المحامي وكاتب العل على توقيعها بصفة شاهدين، ووقعت انا، ثم حررت لها شيكاً بـ 25 ألف دولار باسم «السيدة جانيت الفغالي الشهيرة بـ صباح».. وغادرنا المنزل، لأبدأ انا اتصالاتي تمهيداً لتكوين فريقي العمل الفني والتقني، إلا انني وبعد ثلاثة أيام على توقيع العقد، فوجئت باتصال هاتفي من السيدة صباح ترجوني فيه إلغاء العقد، ومع استعدادها الفوري لإعادة العربون مضافاً إليه «مبلغاً كبيراً من المال على سبيل التسوية»؟! فسألتها عن الأسباب، ردّت، وبالحرف أنها كانت منذ يوم في منزل الرئيس (الشهيد) رفيق الحريري تقدّم له التهاني بإحدى المناسبات، وحيث كان قصره يضج بالضيوف، وانه رحمه الله بجرد ان شاهدها، حتى غادر موقعه وكل المحيطين به، وهبّ لاستقبالها، مرحباً وسعيداً بحضورها، ثم جلس بالقرب منها وسألها عن أعمالها ومشاريعها..
وتضيف صباح: كان جوابي انني بصدد الإعداد لقصة حياتي مقدمة لتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني. لكن الرئيس لم يتركني اكمل، ونادى على الأستاذ نديم (المنلا) المدير العام لتلفزيون «المستقبل»، وكان بين الحضور: نديم.. بكره بتوقع عقد مع الصبوة بقيمة 300 ألف دولار أميركي في مقابل حصول تلفزيون «المستقبل» على حق إنتاج قصة حياتها في مسلسل..
وبمجرد ان بلغت صباح هذه النقطة، يعلق صادق الصباح، حتى باركت لها الإتفاق الجديد، وطلبت منها إعادة «العربون» من دون أي إضافة عليه، وسأرسل لها العقد لتمزّقه بيديها، مستذكراً وضعها الصحي والمادي والحياتي، ومعتبراً ان تنازلي عن العقد لـ «وجه الله»، واجب وحق لصباح.. وبالفعل، أعادت لي «العربون» وارسلت إليها العقد.. ولكن بعد مرور بضعة أشهر على هذه الحادثة، وكان تلفزيون «المستقبل» قد عرض زهاء العشر حلقات من برنامج محوره «محطات من حياة صباح» أفاجأ بإتصال هاتقي من أحد كبار المسؤولي المخولين التحدث باسم الرئيس الشهيد، يقول لي فيه «ان عقداً ما موجود بين أوراق إدارة تلفزيون «المستقبل» موقع مني، ويتحدث عن إنتاج مسلسل عن قصة حياة «صباح»؟ فأخبرته ان هذا العقد في حكم الملغى، وان موضوع إنتاج المسلسل أصبح بعهدة تلفزيون «المستقبل»، فرد عليّ بالقول ان لأحد المصارف اللبنانية بذمة الفنانة صباح مبلغ 275 ألف دولار، وان «المستقبل» غير قادر على إنتاج المسلسل، ولذا، يتمنى علي تحمّل المسؤولية، على ان يتم سداد دين السيدة صباح من أصل ثمن القصة، وان «المستقبل» مستعد لشراء حق العرض الحصري للمسلسل بمبلغ 650 ألف دولار، على ان يسدد منه، بعلم ومعرفة وموافقة صباح، مبلغ الـ 275 ألف دولار للمصرف الكبير الذي يطالب بحقه.
وينهي صادق الصباح: عند هذه النقطة، وافقت على تولي المسؤولية، واعدت صياغة عقد جديد، بتفاصيل جديدة، وزرت صباح في محل اقامتها الجديد (الفندق) وسلمتها المبلغ المتبقي من الاتفاق الـ (25 ألف دولار) وابراء ذمة من المصرف، وهكذا تحوّلت قصة حياة صباح إلى واقع..
ويعلق: واتذكر جيداً انها وزّعت مبلغ الـ25 ألف دولار على الفور على بعض المحيطين بها.. رحمها الله..
وسألت المنتج ان كانت صباح تتدخل في شؤون الإنتاج؟ بمعنى ان كان لها اعتراض ما على بعض التفاصيل أو المشاهد؟
قال: هي اعترضت على أمرين فقط، اولهما ان الفنانة التي تولت تجسيد شخصيتها (النجمة كارول سماحة) لا تشبهها بالشكل، وكان ردي ان الشبه بالروح هو الأهم وان «روح» كارول سماحة متطابقة مع روحها المرحة والمنطلقة... وقد اقتنعت.. اما الإعتراض الثاني فكان ان والدها كان يرتدي «السروال» في شبابه ونحن قدمناه بالزي المدني... بـ«البنطلون».. فقلت لها إن ارتداء السيد الوالد لـ «السروال» لم يستمر طويلاً، خصوصاً وان اسمها وشهرتها تقدما سريعاً نحو النجومية، وكان عليه بالتالي ارتداء «البنطلون».. واقتنعت.
إلى هنا، يسكت صادق الصباح عن الكلام المباح، خصوصاً عندما سألته ان كانت هناك «خفايا» لم يفصح عنها وتحديداً في ما يتعلق بدين الـ 275 ألف دولار؟!.
وهل ان الراحلة صباح هي التي استدانت المبلغ، أم صاحب التوكيل العام؟!






