«روح روحي»: الحب في ميزان الخلود يستحيل محوه!؟
حجم الخط
تعودنا على أفلام مع عبارة: «ممنوع لمن هم أقل من 18 عاماً»، لكن أن ترد هي نفسها مع إعلان مسرحي فالأمر جديد علينا.
«ما بقي من الحب» لـ «كارلوتا كليريتسي»..
العبارة باتت عنواناً هو: «روح روحي» المسرحية التي إفتتحت في 31 كانون الثاني/يناير المنصرم على خشبة مسرح مونو، بإدارة المخرج بوب مكرزل عن نص ترجمته وإقتبسته باتريسيا نمور التي تقاسمت العمل مع زميلها «إيلي متري» ليشكلا ثنائياً راقياً ومنسجماً إلى آخر درجة سواء كانا مختلفين أو متصالحين مع بعضهما البعض ومع نفسيهما في الدورين اللذين يلعبانهما بحرفية، ومشاعر متدفقة، وفهم عميق لما هو مطلوب منهما على الخشبة.
منتهى العفوية في الحركة، في الحوار، في العبارات المعتمدة، كل ما هو على الخشبة بينهما مأخوذ من الحياة، من واقعها، ومن حيثياتها المعاشة بعيداً عن أي تصنع أو إفتعال، وهنا مربط العمل وسره، لقد أشعرانا بمودة خالصة، وبأننا من أقرب النّاس إليهما لكي يقولا كل شيء أمامنا، أو ربما قالا ما قالاه من دون أن ينتبها إلى وجود من يرى أو يسمع أو يراقب.
فطرية الفنان متري هي سر جاذبيته، وهو متصالح معها مئة في المئة، يتكلم ويتصرف بالعفوية إياها، لذا فقد جاءت ردة الفعل على أدائه، وأسلوب حواراته مشفوعة دائماً بالضحكات والتصفيق. ومن مزايا الفنانة نمور بالمقابل أنها إبنة هذه الصفة منذ إعتمدتها في الحلقات الناجحة «آدم وحوا» مع الراحل عصام بريدي، لكن هذه الصورة لم تجد إطاراً للتواجد من خلاله، فظلت ذكرى طيبة لثنائي متميز علق في الأذهان.
«روح روحي».
حبيبان سابقان، عند الثالثة فجراً تفاجئه بطرق بابه والدخول ليدور نقاش حول سبب فراقهما، وقطع العلاقة بينهما، وإذا بها تريد معرفة وبعد مرور عام على سقوط العلاقة بينهما: هل هناك إمرأة حلت في قلبه مكانها، معاتبة إياه على خيانتها مع أخرى رغم أنها هي من رغبت في قطع العلاقة أصلاً بينهما.
ويتمحور الحوار بينهما حول ما كانا عليه... ولماذا وصل إلى هنا... حوار طرشان لا قيمة له، هي تنفي كل سلبيات الأمس التي كانت سبباً فيها، وهو يقف مذهولاً أمام تناقض كلامها، حيث تبدو راغبة في إستعادة الحب الذي كان من أجل إنعاش القلب والحياة في آن، أما هو فظل يراوغ كي لا يبدو متنازلاً عمّا هو بصدده، وإذ بهما معاً يقعان مجدداً في الحب، لأنهما يعرفان الطريق إليه من قبل، وبعد لحظات تفاعل وانفعال بكثير من الدخول في جو العاطفة المتفجرة بينهما، يعودان إلى رشدهما وإلى واقع الخلاف بينهما، ليستأنفا الجفاء والمواقف العنيدة، مع بقاء خيط رفيع من التواصل يرفدهما إلى شاطئ الأمان.
الحب كان موجوداً، لا تزال آثاره واضحة عليهما، وحتى عناصر إحيائه لم تزل فاعلة، مما جعل المراوغة التي خاضاها منذ وصولها إلى شقته وإيقاظه من نومه تثمر إشعالاً متجدداً لحب كان إلتهب وتصاعدت وتيرته فجأة وباتت التفاعلات أكبر حتى من الحب نفسه على صورته السابقة، يعني أن ما بقي من الحب كان الحب كلّه، هذا يعني أنه ليس سهلاً محو هذه العاطفة المتأصلة في يوم أو عام، وكلما كانت عميقة، كان إستئصالها مستحيلاً.
في كل لحظة كانت تهم بمغادرة المكان، لكنها سرعان ما كانت تعود لأن رغبتها تكمن في إستعادة ما ضاع بأي ثمن وإلا لما قصدت بيت الحبيب في هذه الساعة المتأخرة بعدما ضج جسدها بتلاوين متناقضة من المشاعر التي تصب جميعها في خانة الحبيب الذي تكن له حباً تضاعف عمّا كان، وكل همها أن تناله ثانية.
المخرج «مكرزل» بث روحه الشبابية في حنايا بطليه على مدى ساعة من الزمن، فإذا هما حبيبان من جديد، أعاد شحن عاطفتهما حتى الأقصى، وتوارى خلفهما معبّداً الطريق لهما لكي يعبرا من جديد إلى دنيا كانا رسماها، ولا بأس إن كان التفاخر إشتعل من وقت لآخر فقد وضح أن الهدف يكمن في رغبة جامحة عند الطرفين لرسم ملامح الحب الماضي بروح جديدة فيها من الود والعاطفة والتواصل ما لا يُمكن محوه رغم إعتراف كل منهما بأنهما حاولا ملء فراغهما العاطفي بخيارات أخرى دونما جدوى.






