لا يمكن كتابة أي مقال اقتصادي موضوعي دون معالجة تأثير التكنولوجيا على الانتاج والاستهلاك كما على تطور فكر الانسان وحياته. فالمواطن مضطر اليوم لمتابعة ما يجري من تقدم تكنولوجي ليس فقط في الذكاء الاصطناعي وانما في كافة الفروع الأخرى. يكاد لا يمضي يوم واحد دون أن يحصل تقدم تكنولوجي مهم لحياة الانسان العادية. فالتكنولوجيا كلمة عامة واسعة يحدد معناها في كل حالة قبل دراسة تأثيراتها. تقدم تكنولوجي معين يؤثر بشكل مختلف بين بيئة وأخرى تبعا للثقافة والتقاليد. هنالك مجتمعات ترفض تطبيق تكنولوجيات معينة بسبب التقاليد والتاريخ وأحيانا لعدم استيعاب معاني وجوانب التقدم المعقد.
لا يأتي التطور التكنولوجي من لا شيء بل من ترابط عوامل مهمة داخل شركات ومؤسسات وجامعات القطاع الخاص مع القطاع العام. فالعلاقة الصحية بين مؤسسات القطاعين العام والخاص هي شرط من شروط النجاح في الاقتصاد المحلي والدولي. لا يمكن تحقيق النجاح العملي في الأسواق من دون علاقات ايجابية فكرية واكاديمية وتعاون مالي واستثماري بين القطاعين العام والخاص. لهذه الأسباب التنظيمية جميعها، لا تنجح الدول النامية عموما في خلق الأطر المناسبة للتقدم التكنولوجي. فالتطور التكنولوجي المتشعب يعم كل دول العالم ولا يمكن بل لا مصلحة في مواجهته أو ايقافه بالرغم من محاولة البعض ذلك بسبب الجهل والكراهية. حقيقة ما نعرفه من تقدم تكنولوجي حديث يستحيل فهم ومتابعة بعضه أحيانا من قبل المواطنين الذين لا يملكون شهادات أو خبرات متقدمة في العلوم.
مَنْ منا لا يتذكر سيارات الأمس ويقارنها بسيارات اليوم. التطور المدهش في هذا القطاع الاستهلاكي والانتاجي يعتبر مثالا للتعاون المثمر بين القطاعين العام والخاص تمويلا واعتمادا للتقنيات والعلوم الحديثة. قال البعض سابقا أن العديد من التقنيات لا قيمة لها وغير مفيدة بالاضافة الى أنها مكلفة. معظم هذه التقنيات أصبحت مطلوبة اليوم من قبل المواطنين ولا يمكن العيش من دونها في قطاعات النقل والاتصالات وغيرها. لا يمكن أن نقود سيارة لا تحتوي على ميزات الرفاهية والسلامة المتقدمة المؤثرة على نوعية الاستعمال.
من نتائج هذا الواقع وجود مجموعة أحيانا قليلة تستفيد من التقدم التكنولوجي وأكثرية تبقى بعيدة عنه، وبالتالي تتوسع الفجوات الداخلية. من أسوأ الانعكاسات لهذا الواقع توسع فجوة الدخل بين الفقراء والأغنياء بحيث يصبح الفقير أكثر فقرا والغني أكثر غنى مما ينعكس سلبا على الاستقرار الاجتماعي والسياسي. في العلوم المالية، التقدم الحاصل في العملات الرقمية والمشفرة يكون أحيانا مبهما حتى للمتخصصين في هذا المجال مما يجعل الاستثمار فيها خطرا جدا. من الضروري أن نعي أن التقدم التكنولوجي ليس متشابها بين الدول، أو بالأحرى لكل دولة أو مجتمع الحق باختيار التقدم التكنولوجي الذي يناسب وضعها وتاريخها كما مختلف العادات والتقاليد والحاجات الموروثة. نختار التكنولوجيا المناسبة ونطبقها في الأمكنة التي لنا فيها ميزات تفاضلية دعما للنمو والازدهار.
ليس بالضرورة أن يكون كل التقدم التكنولوجي الحالي في الصناعة أو المال مفيدا لكل المواطنين حتى لو استفاد منه النمو العام. هنالك فارق بين نسبة النمو وتوزعها على المواطنين والمناطق. لذا من أهم الخيارات التي تواجه المجتمعات هي كيفية تحسين الانتاج ونوعية الحياة عبر طرق ووسائل جديدة فاعلة تصب في مصلحة الأكثرية الشعبية. فالتكنولوجيا الرقمية كما الذكاء الاصطناعي سببا ارتفاع فجوة الدخل وبالتالي أثرا سلبا على التوازن الديموقراطي وعلى التنمية. المهم أن لا يقف أحد في وجه التقدم التكنولوجي بل نسعى جميعا لاعتماد المناسب بل الأفضل لمجتمعاتنا.