تقيم نتائج أي قمة مهمة ناجحة عبر تأثيرها على الاستقرار العالمي. وضعت القمة الأخيرة الصين في موقع القوة الاقتصادية المماثلة والموازية للولايات المتحدة، وذكرتنا بقمم الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي. فالصين أصبحت مع هذه القمة قوة اقتصادية وعالمية أخرى وليس ثانية. اللافت للنظر هو عولمة الفريق الصيني فكريا على عكس الفريق الأميركي الذي يركز على عظمة أميركا وتحصيل حقوقها عبر كل الوسائل بما فيها التعريفات والقيود التجارية. اللافت أيضا هو أن الصين «الشيوعية» رأسمالية في تفكيرها العملي أكثر من الولايات المتحدة التي كانت توصف بزعيمة الاقتصاد الحر.
يمكن تقسيم المواضيع الساخنة الأساسية حاليا للفريقين الى اثنين، أولهما كل ما يرتبط بالصراع مع ايران أي النووي ومضيق هرمز وثانيا كل ما يرتبط بتايوان الذي له حساسية خاصة بالنسبة للصين ونفوذها الأسيوي والعالمي. يعتمد النفوذ الى حد بعيد على حماسة أميركا بشأن حماية الجزيرة، ومنها بيعها المحتمل لأسلحة بقيمة 12 مليار دولار. هذان العاملان المبدئيان غير كافيان ولا يلبيان طموحات الفريقين الواسعة كما طموحات العالم. العبرة تكون في التنفيذ كما في تأثير القمة على الأوضاع الاقتصادية الثنائية وثم على الأوضاع العالمية المرتبطة حكما بها.
بشأن الموضوع الايراني يظهر أن الفريقين متفقين على عدم حصول أيران على السلاح النووي، وهو أصلا ما توافق عليه ايران والتي لم تقل يوما أنها تريد أن تتسلح نوويا. أما بشأن مضيق هرمز، فالفريقان اتفقا على أن يكون المضيق حرا للجميع بانتظار أن نرى ذلك عمليا بدأ من السفن الموجودة حاليا في البحر والمحجوزة منذ أشهر. الموضوعان مهمان ويحتاجان طبعا الى الموافقة والتعاون الايرانيين والذين لم يظهرا جليا بعد. اذا كانت أميركا مبدئيا مستعدة لتنفيذ هذه القرارات بالقوة أو أقله محاولتها ذلك، فلا يظهر أبدا أن الصين تفكر في أي نشاط عسكري في هذا السياق. من غير المتوقع أن تستعمل الصين قوتها العسكرية لمواضيع بعيدة عن تفكيرها الاستراتيجي المرتبط عضويا بأوضاع شرق أسيا. حتى الآن أفكار وأهداف عامة واضحة، لكنها بحاجة الى التنفيذ الهادئ والكامل.
في الاقتصاد لا يمكن أن ينكر أحدا أهمية تايوان في كل ما يختص بالتكنولوجيا وسلاسل الامداد للعالم أجمع، وبالتالي لحصول الصين على الجزيرة أهمية ليست فقط سياسية وانما أيضا وخاصة أهمية اقتصادية ضمن المنافسة العالمية على السيطرة والنفوذ. تعاني تايوان من مشاكل عدة أهمها ضعف نقدها اصطناعيا، أي أقل من قيمته الحقيقية ب 55% وذلك لتعزيز صادراتها خاصة التكنولوجية التي تظلم المستهلك الداخلي. فائض ميزان الحساب الجاري التايواني يوازي 16% من ناتجها مقارنة ب 3% للصين 7% لكوريا الجنوبية و 4% لليابان. تملك تايوان احتياطي نقدي ضخم يوازي 70% من ناتجها مقارنة ب 30% لليابان 25% لكوريا و 15% للصين. تايوان بالرغم من عظمتها تحتاج الى اصلاحات داخلية مهمة أهمها تحرير سعر صرف النقد لمصلحة معيشة مواطنيها.
لدعوة الرئيس ترامب لأهم قيادات القطاع الخاص لمرافقته الى الصين أهمية اقتصادية وسياسية أيضا. هذه ليست أول مرة طبعا يرافق الرئيس، أي رئيس أميركي، مجموعة من رجال وسيدات الأعمال الناجحين. لكن اختيار رؤساء أبل وتسلا وبوينغ ونفيديا له دلالات كبيرة اذ يشير الى تفوق الولايات المتحدة الواضح والمستمر في قطاعات عالمية مهمة. يأمل ترامب أن تفتح الأسواق الصينية أبوابها للشركات الأميركية لبيع منتجاتها، ومنها طائرات البوينغ، كما للاستثمار في الصين حيث المعادن النادرة موجودة بما يكفي للاقتصاد الدولي. تتوسع الأسواق الصينية بفضل سياسات الانفتاح الداخلية كما بسبب وعي الشركات لأهمية العلاقات مع المستثمر الأجنبي. هذا التغيير في العقلية الاقتصادية الصينية سيعزز من وضعها كاقتصاد رائد يحتل حاليا المرتبة الثانية عالميا علما أن التقدم يبقى ممكنا.
هنالك موضوعان اقتصاديان مهمان لم يظهرا كثيرا على شاشات الاعلام، ربما لضيق الوقت وتبعا لمنطق الأولويات، هما قوة الدولار وزيادة الصادرات الأميركية الى الصين. في الدولار يشك الرئيس الأميركي في رغبة ومسعى الصين لاضعاف العملة الأميركية كنقد عالمي يسيطر على التبادل التجاري والتحويلات المالية وبالتالي استبدالها بعملة آخرى تأتي من مجموعة «البريكس». تنشط المجموعة جدا في منافسة الاقتصادات الغربية في كل شيء وتحديدا عبر مساعدتها لدول أخرى لتمويل البنية التحتية والاعمار. أنشأت مؤسسات مصرفية تنموية تمول تلك المشاريع. هذا غير مقبول بالنسبة لترامب، اذ ان قوة الدولار هي من قوة أميركا واضعافه هو اضعاف لأميركا. لا بدائل حاليا عن الدولار كنقد عالمي والمنافسة المقبولة الواقعية غير موجودة. فالذهب والبيتكوين، مع تقلبهما اللافت للنظر، غير مناسبين كنقدين داعمين للاستقرار العالمي. هذا يسري أيضا على العملات الأخرى كاليورو واليوان والين وغيرها.
أخيرا، على الولايات المتحدة أن تبذل جهودا تسويقية كبيرة للنجاح في زيادة صادراتها الى الصين. أسوأ الطرق هي المواجهة المتبعة حاليا، أي التعريفات على الواردات والتي تضر بالعلاقات الثنائية كما بمجمل العلاقات الاقتصادية الدولية.