بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 أيار 2026 12:15ص جنوب لبنان بين هاجس الأمن وأطماع التاريخ

حجم الخط
لقد نجحت إسرائيل، بمهارة سياسية وإعلامية ودبلوماسية، في إقناع عدد من القوى الكبرى بأن حدودها الشمالية مع لبنان تشكل «مشكلة أمنية» تستوجب السيطرة المباشرة أو غير المباشرة عليها. غير أن هذا الطرح الأمني ليس سوى غطاء حديث لمطلب تاريخي قديم ارتبط منذ بدايات المشروع الصهيوني بالطموح إلى التوسع شمالاً وصولاً إلى مياه الليطاني وموارد الجنوب اللبناني.
فمنذ مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، ظهرت مطالب صهيونية واضحة بضم مناطق من جنوب لبنان أو على الأقل إدخال مياه الليطاني ضمن نطاق الدولة اليهودية المنشودة، باعتبار أن المياه عنصر أساسي في استمرارية المشروع الاستيطاني والزراعي. وقد أشار عدد من الباحثين والمؤرخين إلى أن القيادات الصهيونية الأولى، من حاييم وايزمن إلى دافيد بن غوريون، نظرت إلى الليطاني بوصفه هدفاً استراتيجياً طويل الأمد، وليس مجرد مسألة حدودية عابرة.
ويُروى أن رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج قال لحاييم وايزمن، وفق ما نقله المؤرخ الدكتور زين زين في إحدى محاضراته في الجامعة الأميركية في بيروت في ستينيات القرن الماضي: «ربما بعد خمسين عاماً تحصلون على ما تريدون»، في إشارة ذات دلالة إلى الطموحات التوسعية للحركة الصهيونية في المنطقة، ومنها جنوب لبنان.
كما حذر المستشرق والمؤرخ الفرنسي سيلفان ليفي، رئيس الرابطة اليهودية العالمية، مبكراً من أن المشروع الصهيوني لن يقتصر على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، بل قد يقود إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وفرض واقع سياسي وديموغرافي جديد بالقوة والدعم الدولي.
واليوم، يُعاد تقديم المسألة بلغة مختلفة: «أمن المستوطنات الشمالية»، «المنطقة العازلة»، و«حماية الحدود». لكن خلف هذه العناوين الأمنية يبقى السؤال الجوهري: هل الهدف الحقيقي هو الأمن المؤقت، أم تثبيت واقع جغرافي وسياسي جديد يتيح لإسرائيل التحكم بالجنوب اللبناني ومياهه وحدوده الاستراتيجية؟
إن ما يجري من تدمير واسع للقرى والبلدات الجنوبية وتهجير لسكانها يثير مخاوف حقيقية لدى كثيرين من تكرار مشهد فلسطين، حيث سبق التدمير والتهجير أي تسوية سياسية لاحقة. فالمنازل تُدمر، والقرى تُفرغ من أهلها، والمدارس تُقفل، والاقتصاد المحلي ينهار، فيما يبقى مستقبل عشرات آلاف اللبنانيين مجهولاً وغامضاً.
لقد فعلت إسرائيل ذلك في فلسطين عام 1948 عندما تُرك الفلسطينيون، وخصوصاً في مدن مثل يافا، لمواجهة تنظيمات صهيونية مسلحة ومنظمة كـ«الهاغاناه» و«البالماخ» و«الإرغون» و«شتيرن»، بعد انسحاب القوات البريطانية. وكانت النتيجة تهجير مئات الآلاف وفرض أمر واقع جديد لا يزال قائماً حتى اليوم.
ومن هنا، يخشى كثيرون أن يتحول الحديث عن «الأمن» في الجنوب اللبناني إلى مدخل لإعادة رسم الوقائع الجغرافية والسياسية والديموغرافية في المنطقة، خصوصاً في ظل صمت دولي أو عجز عربي واضح عن فرض حلول عادلة ومستقرة.
وما يزيد القلق أن بعض قادة إسرائيل الحاليين يتحدثون بلغة تاريخية ودينية وسياسية توحي بأنهم يرون أنفسهم امتداداً لمشروع «إسرائيل الكبرى»، على خطى بن غوريون ووايزمن، وإنْ بأدوات وأساليب مختلفة تناسب القرن الحادي والعشرين.
إن حماية لبنان وسيادته لا تكون فقط بالسلاح، بل أيضاً بوعي التاريخ، وفهم طبيعة المشاريع التي تُطرح تحت عناوين أمنية وإنسانية فيما تخفي في جوهرها أهدافاً استراتيجية أبعد بكثير من مجرد حماية حدود أو مستوطنات.