يمرُّ لبنان بمرحلة مفصلية تتقاطع فيها التحولات الإقليمية مع دينامياته الداخلية الهشة، ما يضعه أمام معادلة دقيقة بين فرص الانفراج ومخاطر الانفجار.
فمن مسار «حرب الإسناد» لإيران، إلى الانخراط في نقاشات حول التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي برعاية أميركية، وصولاً إلى ما تردد عن دعوة «ترامبية» مفاجئة للقاء بين الرئيس عون ونتنياهو في البيت الأبيض، ثم مذكرة التفاهم التي مهّدت لوقف الحرب، خطوات متسارعة تعيد رسم موقع لبنان في الإقليم، وتطرح أسئلة عميقة حول السيادة، القرار الوطني، وإتجاهات المرحلة المقبلة.
حظي خطاب رئيس الجمهورية للبنانيين بأهمية استثنائية داخلياً وخارجياً، على خلفية المضمون السيادي الذي يؤسس لمرحلة جديدة. حيث بدد هذا الخطاب غموض الموقف الرسمي وما كان يكتنفه من إلتباسات، ووضع إطاراً واضحاً لمقاربة الدولة لمسألتي التفاوض ووقف الحرب، بعيداً عن ازدواجية المرجعيات، وبالتأكيد على «الإستعداد للذهاب إلى أي مكان لإنقاذ وطني وشعبي». متجاوزاً بذلك كل العقد والتابوهات التقليدية التي كانت تقيد المواقف السابقة، ومشدداً أن السيادة لا تُختصر بالشعارات، بل تُترجم بقدرة الدولة على إدارة التفاوض من موقع رسمي موحد يعكس إرادة اللبنانيين، بعيداً عن توازنات القوى التي كانت المفروضة عليهم.
إن وحدة موقف أهل السلطة تُعدّ شرطاً أساسياً لعبور هذه المرحلة بأقل الخسائر. فالتباين أو التناقض في مقاربة التفاوض لا يُضعف فقط موقع لبنان التفاوضي، بل يفتح الباب أمام تدخلات خارجية واستثمار الانقسامات الداخلية. من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى تنسيق كامل بين الرئاسات الثلاث والمؤسسات الدستورية، بحيث يصدر موقف موحد يحدد الأهداف والثوابت، ويمنح أي مسار تفاوضي شرعية وطنية واضحة، شرط أن تكون الخطوات الرسمية مدروسة ومتأنية، وتتجنب الإنزلاق في متاهات التنازلات المجانية، التي يُجيد العدو إصطيادها وإستنزافها.
أما بالنسبة لردود الفعل الداخلية فالأمر يحتاج إلى معالجة واعية وحاسمة، ولا سيما موقف حزب الله الذي يدعو إلى تحقيق إجماع وطني حول مسألة التفاوض المباشر. هذه الدعوة، على أهميتها من حيث المبدأ، تطرح إشكالية جوهرية تتعلق بازدواجية المعايير عند الحزب نفسه الذي كان قد انخرط في الحرب دون مشاورة سائر القوى اللبنانية، ودون إعطاء إنذار مسبق للدولة، ما أدى إلى جرّ البلاد إلى مواجهة كارثية بعيداً عن أي توافق وطني. هذا التناقض بين الدعوة إلى الإجماع في مرحلة التفاوض، وتجاوزه في مرحلة اتخاذ قرار الحرب، يعكس خللاً بنيوياً في إدارة القرار الوطني، ويستدعي مراجعة جدية لمفهوم الشراكة الداخلية عند حزب الله قبل غيره من الأطراف السياسية الأخرى.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية التواصل بين الرؤساء الثلاثة لتحصين القرار الوطني في هذه المرحلة الدقيقة ، ولا سيما المكالمة الهاتفية الصباحية بين الرئيسين عون وبرّي التي تناولت مسألة التفاوض المباشر، والتي أكد خلالها رئيس الجمهورية أن جولة التفاوض المباشر في واشنطن ستكون بمثابة خطوة أساسية بوقف الحرب خلال أقل من إسبوع.
الحرص على التشاور بين المرجعيات الرئاسية يؤكد التمسك بوحدة القرار الرسمي، وبضرورة التنسيق لتفادي الانزلاق إلى مواقف متضاربة. كما يساعد على بناء أرضية مشتركة يمكن أن تُشكل نواة لموقف وطني جامع، إذا ما جرى توسيعها لتشمل مختلف القوى السياسية.
غير أن التحدي الأساسي يبقى في تحويل هذا التنسيق إلى سياسة متكاملة، قادرة على طمأنة الداخل، وإقناع الخارج في آن معاً. فلبنان يقف اليوم أمام اختبار مزدوج: كيف يستفيد من مؤشرات الانفراج المحتملة، دون أن يدفع ثمنها تنازلات تمسُّ بسيادته أو إستقراره الداخلي؟ وكيف يتفادى في الوقت نفسه الانزلاق نحو انفجار داخلي أو إقليمي نتيجة سوء إدارة هذا الملف الحساس؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تبدأ بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة كمرجعية وحيدة للقرار، وبترسيخ مبدأ الشفافية في مقاربة الملفات المصيرية. كما تتطلب شجاعة سياسية للاعتراف بالأخطاء السابقة، والعمل على تصحيحها ضمن إطار وطني جامع. فالتفاوض، أياً يكن شكله، ليس مجرد تقنية دبلوماسية، بل هو تعبير عن موازين قوى داخلية وخارجية، وعن مدى تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة المتغيرات المتسارعة في الإقليم.
إعادة الإعتبار إلى دور الدولة السيادي وحده كفيل بتحويل اللحظة الراهنة من مصدر قلق إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، داخلياً وخارجياً، ووضع البلاد على سكة استقرار مستدام، وطوي صفحة الإهتزازات الداخلية المتلاحقة.