سحر ضو
في نقطة استراتيجية عالية من جبل الشيخ، عُلّق رادار ضخم يشرف على تداخل جغرافي معقّد بين لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة. نصب الجهاز في موقع دقيق يخضع اسمياً لرقابة قوات الأمم المتحدة لفصل الاشتباك (UNDOF)، المكلّفة بمراقبة تنفيذ اتفاقية فصل القوات لعام 1974، لكن حجمه، موقعه، وقدراته، يطرحون علامات استفهام تتجاوز الطقس والمراقبة الأممية. فالسؤال لم يعد «مَن يراقب؟» بل «مَن سمح بالمراقبة؟» وعلى حساب مَن؟
مصدر أمني مطّلع يؤكد أن الرادار لا يكتفي برصد الأحوال الجوية كما يُشاع، بل يتمتع بقدرات متقدمة لجمع المعلومات الاستخباراتية، من التقاط الاتصالات إلى رصد التحركات وتحديد المواقع، ممتداً في مجاله من الجنوب اللبناني مروراً بالبقاع الغربي وصولاً إلى جبل الباروك. وجوده في نقطة يُفترض أنها محايدة يُعيد فتح ملف مزارع شبعا، البقعة اللبنانية الصغيرة التي تُختصر فيها قصص التنازل والخداع والتضليل الحدودي، والتي تحوّلت إلى ثغرة جغرافية وأمنية لا تزال بلا حسم.
المفارقة أن جذور الأزمة تعود إلى خطأ عمره قرن. ففي الترسيم الفرنسي لعام 1923، تم اقتطاع ما يقارب 38 كلم² من الأراضي اللبنانية وأُلحقت بسوريا، عن جهل أو عن قصد، ما يعادل ضعف مساحة بيروت. ثم أتت نكسة 1967، واحتلت إسرائيل الجولان، ومنه تمددت إلى مزارع شبعا ورأس جبل الشيخ، متذرّعة بخرائط مبهمة واتفاقيات هدنة صيغت بتسرّع، ليتحوّل الترسيم إلى سلاح ناعم بيد المحتل.
الخرائط الفرنسية الأصلية بين 1933 و1938 تُظهر المزارع ضمن قضاء حاصبيا اللبناني بوضوح، إلّا أن خرائط 1939 بدأت تضيف غموضاً استُغل لاحقاً لخلق واقع جديد. وفي عام 1949، عند توقيع اتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل، لم يُذكر اسم المزارع صراحة، وكأنّ أحداً تعمّد أن يتناساها، أو لم يكن يدرك وزن السطر الذي يُحذف في لحظة غفلة.
لبنان قدّم لاحقاً ملفاً للأمم المتحدة يُثبت لبنانية المزارع بالوثائق والسجلات العقارية والضريبية، لكن ما جرى لم يكن تقديماً رسمياً من دولة إلى دولة، بل عبر أفراد، «وأسمائهم معروفة». المنظمة الدولية رفضت الاعتراف بالمزارع كجزء من القرار 425، وأبقتها مصنفة كأرض «متنازع عليها»، بحجة منطقية: إن كانت الدولة نفسها لم تقدّم ملفاً رسمياً، فكيف يُنتظر من الأمم المتحدة أن تتخذ موقفاً؟ والأسوأ أن لبنان لم يجرؤ حتى اليوم على المطالبة بترسيم رسمي مع سوريا، التي بدورها اعتمدت سياسة الغموض، لم تعترف بلبنانية المزارع ولم تُعلن أنها سورية. موقف رمادي مقصود، يُقرأ كورقة تفاوضية تحفظها دمشق لاستخدامها عند الحاجة في ملف الجولان.
كيف تسنّى للدولة اللبنانية أن تتناسى هذه الرقعة من الأرض لعقود؟ لماذا لم تعترض رسمياً؟ ولماذا لم تُطالب بحقها عبر القنوات الدبلوماسية قبل أن تتحوّل المزارع إلى بند في أجندة احتلال إقليمي؟ الإجابة تُفجّر مسؤولية مركبة، تبدأ بعدم كفاءة من رسم الحدود عام 1949، إذ قبل الجانب اللبناني خرائط قدّمها الإسرائيليون، دون مراجعة دقيقة، ما أدّى إلى خسارة ما يعادل ٣٨٪ من أرض يفترض أنها ضمن المساحة السيادية.
لكن التاريخ لا يرحم الغافلين. السؤال اليوم ليس فقط: هل سيوافق النظام السوري على إعادة الأرض؟ بل: هل يملك لبنان الجرأة لطلبها؟ وهل يستطيع بلد المساومات أن يواجه حليفه السوري بشكوى رسمية لدى الأمم المتحدة؟ وكيف سينظر المجتمع الدولي إلى مطالبة متأخّرة كهذه بعد كل هذا الصمت؟ لكن، رغم كل شيء، أن تأتي متأخّراً، خير من ألّا تأتي أبداً.
فرنسا، التي كانت يوماً «سبب الأزمة»، عادت اليوم بخريطة. في عامي 2024 و2025، قدّمت باريس أرشيفاً يوضح بجلاء أن مزارع شبعا لبنانية. هذه ليست هدية مجانية، بل تلميح إلى أن لحظة الحسم تقترب، وإلى أن النزاع الحدودي بات مطروحاً على الطاولة الدولية، لا كخلاف حدودي، بل كعنصر من عناصر الأمن الإقليمي. لكن الأهم أن لبنان يمتلك كل الوثائق، ومع ذلك، يغضّ النظر عنها، في بلد اعتاد أن يستورد حتى أدلته السيادية من الخارج.
في هذا المشهد، إسرائيل تتمدد عسكرياً وجغرافياً، تُحكم قبضتها على الجولان وجبل الشيخ، وتنسق لوجستياً مع قوات الأمم المتحدة، التي يفترض أنها تراقب من موقع محايد.
لكن ما لا يُقال أهم من كل ما يُعلن: الـUNDOF، التي كان يفترض أن تكون مراقباً حيادياً، نقلت مركزها اللوجستي ومقر اتصالاتها إلى قاعدة عسكرية إسرائيلية قرب صفد بعد الحرب السورية. وهنا، تنهار كل أساطير الحياد: من يعمل من غرفة خصمه، لا يراقب بل يتواطأ.
في هذا السياق، وجود رادار أممي في منطقة متنازع عليها لا يمكن فصله عن هذا «الحياد المنقوص». فالسؤال لم يعد: ماذا يلتقط هذا الرادار؟ بل: من يُشغّله؟ ومن يملك مفاتيحه؟ ومن يضمن أن صور الأجواء لا تُستخدم لتثبيت وقائع ميدانية جديدة تُفرض من السماء قبل الأرض؟
تضيع السيادة حين تُختزل بالتصريحات، وتُفقد الأرض حين تصبح الوثائق مجرد أرشيف. لبنان الذي يفاخر بمساحته «10452 كلم²» مطالب اليوم بإثبات الرقم لا بتكراره. ومزارع شبعا التي حملت يوماً وعد التحرير بالبندقية، صارت اليوم امتحاناً للجرأة السياسية. فالمعركة لم تعد بالسلاح، بل بالوثائق، وبالاعتراف، وبالقرار.
لكن الخطر الأكبر أن نخسر الحق مرتين: مرة بصمت عام 1949، ومرة اليوم، إذا ما استمر التواطؤ بالسكوت. وبين خريطة فرنسية تعيد الحق لأصحابه، ورادار أُممي قد يُستخدم ضدهم، يظل السؤال الأكثر إيلاماً: هل نملك الإرادة لندافع عن سيادتنا، أم سنُراقب... ونُنسى؟