بيروت - لبنان

اخر الأخبار

15 أيار 2026 12:15ص كيف تواجه إيران التفوق الأميركي؟

حجم الخط
د . طلال الساحلي*

مقدمة: فلسفة البقاء في بيئة معادية

لم تكن المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل وليدة الصدفة، بل هي نتاج عقود من التحضير لبناء «حصانة سيادية» تعتمد على مبدأ الردع المتمايز. إن قدرة إيران على الصمود في ظل التصعيد العسكري الواسع (2024-2026) لا تعود لقوة عتادها التقليدي مقارنة بالترسانة الأميركية، بل لنجاحها في صياغة استراتيجية «دفاعية - هجومية» مركبة، تجعل من تكلفة إسقاط النظام أو تدمير قدراته العسكرية ثمناً باهظاً لا تستطيع القوى العظمى تحمّله.

المحور الأول: «الدفاع الفسيفسائي» والهيكل اللامركزي

تعتبر استراتيجية «الدفاع الفسيفسائي» (Mosaic Defense) جوهر العقيدة الدفاعية الإيرانية. استخلصت إيران دروساً قاسية من حروب المنطقة، وأدركت أن المركزية هي نقطة الضعف القاتلة أمام التكنولوجيا الغربية.
• تجزئة القيادة والسيطرة: تم تقسيم البلاد عسكرياً إلى 31 قيادة مستقلة. كل محافظة إيرانية تعمل كـ «جيش مصغّر» يمتلك مخازنه، صواريخه، وقراره العملياتي. في حال تعرّض طهران لضربة «قطع رأس» (Decapitation Strike)، لن يتوقف الدفاع، بل ستتحوّل كل بقعة جغرافية إلى ساحة استنزاف مستقلة.
• التحصين السلبي والمدن الجوفية: قامت إيران بنقل ثقلها العسكري إلى ما يعرف بـ «المدن الصاروخية» المحفورة في أعماق الجبال. هذه المنشآت المحصنة ضد القنابل الخارقة للتحصينات تضمن بقاء القدرة على الرد (الضربة الثانية) حتى بعد استهداف القواعد الجوية السطحية.

المحور الثاني: «الردع غير المتماثل» وتوازن الرعب

بسبب الفجوة التقنية في الطيران الحربي، طورت إيران «ثالوث الردع» الخاص بها، والذي أثبت فاعلية كبرى في صد الهجمات الأميركية والإسرائيلية:
• سلاح المسيّرات (القوة الجوية البديلة): اعتمدت إيران فلسفة «الإغراق». بدلاً من طائرة «إف-35» واحدة تكلف 100 مليون دولار، تنتج إيران آلاف المسيّرات الانتحارية (مثل عائلة شاهد) بتكلفة زهيدة. في المواجهات الأخيرة، تمكنت هذه المسيّرات من استنزاف بطاريات «الباتريوت» و«القبة الحديدية»، حيث تفشل المنظومات الدفاعية في التعامل مع «أسراب» (Swarms) تهاجم من جهات متعددة في وقت واحد.
• الصواريخ البالستية والجوالة: تمتلك إيران أضخم ترسانة صاروخية في الشرق الأوسط.
 التطور في دقة الإصابة (Pinpoint Accuracy) الذي ظهر في ضربات 2026 حول القواعد الأمريكية في المنطقة إلى «أهداف هشة»، مما أجبر واشنطن على إعادة حسابات الانتشار العسكري.
• الحرب البحرية «البعوضية»: في مضيق هرمز، تعتمد إيران على الزوارق السريعة المسلحة بصواريخ جوالة وألغام بحرية. هذه التكتيكات لا تهدف لتدمير الأساطيل، بل لتعطيل حركة الملاحة ورفع تأمين الشحن العالمي، مما يحول الحرب إلى أزمة اقتصادية عالمية تضغط على صانع القرار في واشنطن.

المحور الثالث: «العمق الاستراتيجي» ووحدة الساحات

لا تخوض إيران الحرب من داخل حدودها فقط، بل من «تخوم الخصم». إن استراتيجية الدفاع الإيرانية تعتمد على دعم حلفائها وإلى اشراكهم كجزء عضوي من منظومة المواجهة الإيرانية.
• تعدّد جبهات الاستنزاف: في الحرب بمواجهة أميركا وإسرائيل، نجحت إيران في تفعيل «وحدة الساحات» ولو جزئياً. عندما تُضرب إيران، جبهات اخرى في القتال. هذا التشتيت للقوة النارية المعادية يمنع الخصم من التركيز على «المركز»، ويجعل الدفاع عن إسرائيل أو القواعد الأميركية عملية مكلفة ومستحيلة على المدى الطويل.
• نقل التكنولوجيا لا السلاح فقط: برعت إيران في تمكين حلفائها من التصنيع المحلي، مما جعل «محور الحلفاء» عصيّاً على الحصار اللوجستي.

المحور الرابع: المواجهة في الفضاءات غير التقليدية (السيبرانية والاقتصادية)

الصمود الإيراني لم يكن عسكرياً بحتًا، بل شمل أبعاداً أخرى:
• الردع السيبراني: طوّرت إيران وحدات سيبرانية هجومية قادرة على اختراق البنى التحتية الحيوية في إسرائيل والولايات المتحدة. هذه الهجمات تعمل كأداة «ردع موازية» تخلق حالة من عدم الاستقرار الداخلي لدى الخصم دون إطلاق رصاصة واحدة.
• اقتصاد المقاومة: رغم العقوبات «القصوى»، استطاعت إيران بناء شبكات التفافية وحققت نوعاً من الاكتفاء الذاتي العسكري، مما جعل آلة الحرب الإيرانية لا تتوقف بنقص القطع الأجنبية أو الضغوط المالية.

المحور الخامس: كيف فشلت «القوة العظمى» في الحسم؟

السبب الرئيسي في فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في حسم المعركة ضد إيران هو «مفارقة القوة». القوة العظمى تبحث عن «نصر سريع وحاسم»، بينما استراتيجية الدفاع الإيرانية مصممة لـ «اللانصر واللاهزيمة»؛ أي إطالة أمد الصراع حتى تنهار الإرادة السياسية للخصم تحت وطأة التكاليف البشرية والمادية.
إن إيران لم تنتصر بالمعنى التقليدي (تدمير جيش الخصم)، بل انتصرت بـ «البقاء». لقد أثبتت أن امتلاك تكنولوجيا متفوقة لا يعني بالضرورة القدرة على كسر إرادة دولة اعتمدت «اللامركزية» و«توزيع القوة» كمنهج حياة.

الخاتمة: مستقبل العقيدة الدفاعية

تُظهر تجربة المواجهة في 2026 أن استراتيجية الدفاع الإيرانية قد وضعت حدّاً لعصر «الحروب الخاطفة» في الشرق الأوسط. إن التحوّل من الدفاع عن الحدود إلى «الردع العابر للحدود» جعل من أي مواجهة مباشرة مع إيران مقامرة غير مضمونة النتائج، مما دفع القوى العالمية للبحث عن مسارات دبلوماسية قسرية بدلاً من الحلول العسكرية التي أثبتت فشلها أمام «الفسيفساء الإيرانية» الصلبة.

* وزير سابق