جردة حساب بانتظار المحاسب!
حجم الخط
انتهت الانتخابات وأنتجت ما أنتجته من مجلس جديد كرّس الزعامات وتحكّم الأحزاب بمفاصل الحياة السياسية، حجَّم المستقلين وحاصر المجتمع المدني، حيث أطلقت يد السلطة لتنهي ما فصّله القانون الهجين، فأخرجت أرقاماً تعكس التمنيات أكثر من الواقع، حيث كشفت في أكثر من مركز أن المرشح لم يصوّت لنفسه، وتبخّرت أصوات العائلات وضاعت أصوات الزملاء والمحيط المقرّب، هذا مع الإقرار بأن الجمهور لم يُصوِّت لغير أحزاب السلطة، فكانت الرسالة واضحة بوجوب إلغاء كل من يملك الإيمان بالديمقراطية والجرأة لرفع الصوت!.
إلا أن الخطابات الرنانة والمهرجانات الشعبية والزيارات المكوكية والوعود الفلكية بإنعاش مناطق وشريحة من المجتمع كانت في غياهب الإهمال والنسيان قبل الانتخابات، لم تكن كافية لحث اللبنانيين على التصويت، فجاءت أعداد المشاركين دون التوقعات بأشواط خاصة أنها أوّل انتخابات بغير قانون الستين وبعد غياب دام تسع سنوات لهذه الممارسة الديمقراطية.
يمكن لكل فريق، بلا استثناء، أن يحتفل بالنصر ويُوهم جمهوره بما طاب له، إلا أنه في نهاية الأمر لا بد من أن يُتمّ تقييماً لهذه التجربة، وحسب المعلومات الحقيقية والأرقام الواقعية، ليعيد ترتيب أولوياته مع جمهوره وبيته الداخلي مع كل من يتحمل مسؤولية ثغرات الأداء التي أوصلت اللبنانيين إلى هذا المستوى من القرف واليأس وغياب الثقة بين المسؤولين وجمهورهم.
أما تحالفات المتناقضات فكان لها تأثيرها على الناخب الذي كفر بالثوابت في معركة أسقطت المحرمات وتجاوزت كل الخطوط الحمراء والتي ثبت أنها وهمية، وأن الخصومة السياسية تلغيها المصلحة الانتخابية، والعيش المشترك يلغيه خطاب شد العصب... وما إلى ذلك من ناقض ومنقوض حسب ما أملته حسابات المقاعد وما بعد المقاعد من تمرير مشاريع وتقاسم الحصص في الدولة ومقدراتها.
على الرغم من كل الملاحظات على هذا القانون، وكل محاولات تفصيله على مقاسات معينة، لم تخدم في نهاية المطاف سوى الثنائي الشيعي، فإذا بالتيارات التي كانت تعتبر نفسها الأقوى وتحتكر التمثيل، كل لطائفتها، تشهد دخول قوى جديدة لقبة البرلمان بشكل وازن، فهل تنتقل المنافسة للمّ الشارع وشدّ عصبه، من الخطاب التقسيمي إلى المنافسة البناءة بالمشاريع الإنمائية، التي تنتشل المناطق المهمّشة وتعيد التفاف القاعدة الشعبية حول زعاماتها بشكل طبيعي وإيجابي وليس بالإكراه ولا بالتحريض؟ أم أن التوافقات تبقى تحت الطاولة ويبقى الجمهور أسير الخطابات الطائفية ورهن إشارة الزعيم؟
أسدل الستار على مسرحية الديمقراطية والتي كشفت أنها لم تكن معركة انتخابية لضخ دم جديد في النشاط التشريعي بقدر ما كانت معركة تحديد احجام وتكريس زعامات، فهل تتجرأ الطبقة السياسية على تقييم النتائج وإجراء النقد الذاتي لتطوير الأداء، أم كون لبنان لا يزال في القرن التاسع عشر مقارنة مع الدول المتحضرة، سيكتفي بإعلان النصر وجرّ الشارع وراءه نحو« فتح» وهمي آخر؟






