التربة اللبنانية... هل تحوّلت ثروة الوطن إلى غنيمة؟
ليست التربة مجرد تراب يُنقل من مكان إلى آخر، وليست الجبال مجرد كتل من الصخور تُقتلع متى شاء المستثمرون. إنها جزء من الثروة الوطنية التي يفترض أن تحميها الدولة، لأنها ملك لجميع اللبنانيين، لا لجيل واحد ولا لفئة واحدة. غير أن ما شهدته البلاد خلال العقود الماضية يفرض سؤالاً كبيراً: هل ما زالت الدولة تدير هذه الثروة، أم أنها فقدت السيطرة على قطاع أصبح من أكثر القطاعات إثارة للجدل؟
لقد تحوّلت المقالع والكسارات إلى أحد أكثر الملفات تعقيداً في لبنان، ليس بسبب الحاجة إلى مواد البناء، فهذه حاجة طبيعية لأي اقتصاد، بل بسبب الطريقة التي أُدير بها هذا القطاع، وما رافقها من مخالفات بيئية، واستنزاف للجبال، واقتلاع للتربة، وتشويه للطبيعة، وتراجع في الرقابة، وتأخّر في تنفيذ القوانين.
إن إزالة الطبقة السطحية من التربة لا تعني فقط تغيير شكل الجبل أو الوادي، بل تعني القضاء على ثروة تحتاج الطبيعة إلى مئات السنين لتكوينها. فهذه التربة هي أساس الزراعة، وهي التي تحفظ الغطاء النباتي، وتحدّ من انجراف الأرض، وتساعد على تغذية المياه الجوفية. وعندما تُقتلع بلا ضوابط، فإن الخسارة لا تكون بيئية فحسب، بل اقتصادية وزراعية وصحية أيضاً.
ولم تعد آثار المقالع والكسارات خافية على أحد. فالجبال التي كانت خضراء تحوّلت في أماكن كثيرة إلى واجهات صخرية قاحلة، والقرى المجاورة تعاني من الغبار والضجيج، والأراضي الزراعية تراجعت خصوبتها، فيما دفعت الطبيعة اللبنانية ثمناً باهظاً نتيجة غياب التخطيط السليم وضعف الرقابة على هذا القطاع.
الأخطر من ذلك أن السؤال لم يعد يقتصر على حجم الأضرار البيئية، بل أصبح يمتد إلى كيفية إدارة هذه الثروة الوطنية. فالدولة تستوفي رسوماً وبدلات وضرائب لقاء استثمار المقالع والكسارات، غير أن الدراسات الرسمية التي أعدّتها وزارة البيئة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أشارت إلى وجود أكثر من ألف ومئتي مقلع وكسارة في لبنان، وقدّرت المستحقات المالية والبيئية المترتبة على هذا القطاع خلال سنوات طويلة بمليارات الدولارات، وهي أموال كان يفترض أن تدخل إلى الخزينة العامة أو تُخصص لإعادة تأهيل المواقع المتضررة.
وهنا يبرز السؤال المشروع: إذا كانت هذه الموارد الطبيعية ملكاً للدولة، فأين تذهب عائداتها؟ وهل تُحصَّل جميع الرسوم والضرائب المستحقة؟ وهل تُستخدم هذه الأموال فعلاً لمعالجة الأضرار البيئية، أم أن الخزينة تخسر جزءاً كبيراً من حقوقها نتيجة ضعف المتابعة أو سوء الإدارة؟
ويبرز سؤال آخر لا يقلّ أهمية: هل الاستثمار في هذا القطاع متاح وفق قواعد المنافسة والشفافية، أم أن الحصول على التراخيص واستثمار الموارد الطبيعية بقي محصوراً عملياً في دائرة ضيقة؟ فالاحتكار لا يعني دائماً وجود شركة واحدة تسيطر على السوق، بل قد يتمثل أيضاً في تركّز الامتيازات والفرص الاستثمارية في أيدي عدد محدود من الجهات، بما يحرم الآخرين من المنافسة العادلة، ويجعل الثروة الوطنية أقرب إلى الامتياز الخاص منها إلى المرفق العام.
إن القضية اليوم ليست مواجهة المستثمرين، ولا تعطيل قطاع يحتاج إليه الاقتصاد، بل حماية الدولة نفسها. فالدولة القوية هي التي تعرف قيمة مواردها الطبيعية، وتحسن إدارتها، وتفرض احترام القانون على الجميع، وتجبي حقوقها كاملة، وتمنع أي استغلال غير مشروع، وتلزم المستثمر بإعادة تأهيل الموقع الذي استثمره، حتى لا يبقى الجبل شاهداً على استنزاف الثروة الوطنية.
ومن المؤسف أن ملف المقالع والكسارات بقي طوال سنوات رهينة القرارات المؤقتة، والاستثناءات، والخلافات الإدارية، فيما كانت أعمال الاستخراج تتوسّع، وكانت الطبيعة تدفع الثمن. فلا تنمية اقتصادية حقيقية تقوم على تدمير البيئة، ولا استثمار ناجح يقوم على استنزاف الموارد الطبيعية من دون رقابة ومحاسبة.
إن المطلوب اليوم ليس إقفال المقالع والكسارات، بل إخضاعها لدولة القانون. المطلوب خطة وطنية شاملة تُحدد أماكن الاستثمار، وتُلزم المستثمرين بأعلى المعايير البيئية، وتفرض إعادة التأهيل، وتؤمن الرقابة المستمرة، وتحصّل جميع الرسوم والضرائب المستحقة، وتمنع أي ممارسات تؤدي إلى احتكار الثروة الوطنية أو حرمان الدولة من حقوقها.
فالتربة ليست سلعة عابرة، بل هي جزء من هوية لبنان الطبيعية، وأحد أعمدة أمنه البيئي والغذائي. وإذا استمر استنزافها بالوتيرة نفسها، فإن الخسارة لن تقتصر على جبل أو وادٍ، بل ستطال مستقبل الوطن بأكمله. وحينها لن يكون السؤال كم خسرنا من المال، بل كم خسرنا من أرضٍ لا يمكن تعويضها، ومن ثروة كان يفترض أن تبقى ملكاً لجميع اللبنانيين، لا أن تتحوّل إلى غنيمة يتقاسمها أصحاب النفوذ والمصالح.
* الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب






