مع إطلالة هلال رمضان، تتبدّل ملامح الزمن في وجدان المسلمين؛ يرقّ القلب، وتلين القسوة، ويستيقظ الضمير كأنما يُغسل بنورٍ سماويٍّ خاص. إنه شهرٌ ليس كسائر الشهور، شهر الصيام والقيام، شهر القرآن والغفران، شهرٌ جعله الله محطةً سنوية لمراجعة النفس وتقويم السلوك وإعادة ترتيب الأولويات.
رمضان ليس امتناعاً عن الطعام والشراب فحسب، بل هو امتناعٌ عن كل ما يفسد القلب قبل أن يفسد الصوم. الصوم مدرسة أخلاقية كبرى، تتجاوز الجسد إلى الروح، وتسمو بالإنسان من ظاهر العبادة إلى حقيقتها. وما أصدق قول نبي الإسلام محمد صلى االله عليه وسلم في التحذير الصارم: «رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلّا الجوع والعطش».
حديثٌ تهتزّ له القلوب، لأنه يضعنا أمام سؤالٍ مرعب: ألسنا معنيين بهذا الوعيد؟ ألسنا مهدّدين بأن يكون نصيبنا من الصيام مجرد الحرمان الجسدي، إن لم يُصلِح الصوم أخلاقنا وسلوكنا؟
كيف تصوم وأنت كاذب؟
كيف تصوم وأنت منافق؟
كيف تصوم وأنت سارق؟
كيف تصوم وأنت خائن للأمانة؟
كيف تصوم وأنت تملأ المجالس نميمةً وشتيمةً وبهتاناً؟
كيف تصوم ولسانك يجرح، وقلبك يحقد، ويدك تمتد إلى ما ليس لك؟
إن الكذب ليس مجرد لفظة عابرة، بل خيانة للحقيقة، وهدمٌ لجدار الثقة الذي يقوم عليه المجتمع. والنفاق ليس اختلافاً في الرأي، بل ازدواجية تُفسد الضمير. والسرقة ليست اعتداءً على مالٍ فحسب، بل طعنٌ في أمن الناس وحقوقهم. أما الحقد والنميمة والشتيمة، فهي أمراضٌ تفتك بروح الجماعة، وتحوّل الصيام من عبادة تزكية إلى عادة شكلية.
رمضان دعوة مفتوحة إلى التوبة الصادقة. هو فرصةٌ لإغلاق دفاتر السوء، وتمزيق صفحات المعاصي، والبدء من جديد. ليس المقصود أن نخرج من الشهر ببطونٍ جائعة وأجسادٍ منهكة، بل بقلوبٍ نقية، وألسنةٍ صادقة، وأيدٍ أمينة، ونفوسٍ متسامحة.
الصوم الحقيقي هو الذي يردع صاحبه عن الظلم، ويمنعه من أكل أموال الناس بالباطل، ويكفّ لسانه عن الغيبة، ويطهّر قلبه من الحسد. الصوم الذي لا ينهى عن الفحشاء والمنكر صومٌ يحتاج إلى مراجعة. لذلك كان السلف يعدّون حفظ اللسان أصعب من حفظ البطن، لأن معاصي اللسان أسرع انزلاقاً وأشدّ أثراً.
أيها الصائمون، إن الجوع الذي لا يورث تقوى، والعطش الذي لا يثمر رحمة، تعبٌ بلا ثمرة. فلا تجعلوا الحديث النبوي وعيداً يطالكم، ولا تسمحوا أن تكونوا ممن يُقال فيهم: صاموا وما صاموا. اجعلوا من رمضان ثورةً أخلاقية على ذواتكم قبل أن يكون احتفالاً موسمياً.
اغسلوا قلوبكم قبل أيديكم، وصفّوا نياتكم قبل موائدكم، وردّوا المظالم قبل انتظار المغفرة. فمن أراد أن يقف ليلة العيد فرحاً، فليدخل الشهر صادقاً. ومن أراد القبول، فليبدأ بالإقلاع عن المعاصي، وإصلاح ما بينه وبين الناس، قبل أن يطلب إصلاح ما بينه وبين ربه.
رمضان ليس زمناً للادّعاء، بل زمنٌ للصدق.
ليس موسمَ مظهر، بل ميدانَ مخبر.
ليس امتناعاً عن الطعام فقط، بل امتناعاً عن كل ما يُغضب االله.
فكيف تصوم وأنت معتد على حقوق االله؟
كيف تصوم وأنت معتد على حقوق أهلك وأخوتك وأقاربك؟
كيف تصوم وأنت معتد على حقوق جيرانك؟
كيف تصوم وأنت معتد على حقوق الأيتام والأرامل؟
أسئلة ينبغي أن تظلّ معلقًة في ضمير كل واحدٍ منا، حتى لا نكون - والعياذ بالله - ممن شملهم الحديث النبوي: «رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش».
نسأل الله أن يجعل صيامنا صيام صدقٍ وتقوى، وأن يبلغنا رمضان بقلوبٍ طاهرة، وأعمالٍ صالحة، وأخلاقٍ تُجسّد حقيقة الإسلام كما أرادها االله: رحمةً وعدلاً وصدقاً وأمانة، االلهم آمين آمين آمين.
* الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب