• الوداع.. طقوس الموت المؤجل
رغم «المجهول» الرابض في ثنايا الرمال، والقصص المرعبة التي كانت تتناقلها الأجيال في مقاهي القاهرة ودمشق وبغداد عن قوافل أُبيدت عن بكرة أبيها، ظل النداء الإلهي: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً} هو المحرك الأقوى من غريزة البقاء. ومن هنا نشأت سيكولوجية خاصة بالحاج القديم؛ فالحج لم يكن يبدأ من «الميقات»، بل يبدأ من لحظة «تصفية الدنيا».
كانت القاعدة الذهبية للحج قديماً هي مقولة: «الذاهب مفقود والعائد مولود». لم تكن هذه العبارة مجرد مجاز أدبي، بل كانت حقيقة إحصائية وتوصيفاً دقيقاً للواقع؛ فالحاج كان يودّع أهله «وداع مفارق لا يعود». كان يكتب وصيته الشرعية بدقّة، يوزع تركته على الورثة وهو حيّاً، يصفّي ديونه حتى أصغر قرش، ويستسمح الخصوم والجيران في مشهد جنائزي مهيب. كانت رحلة الحج تعني غياباً قد يمتد لعام أو عامين في أصقاع الأرض، وفي كثير من الأحيان، كانت الأخبار تنقطع تماماً بمجرد دخول القافلة عمق الصحراء، فلا يجد الأهل في الحواضر إلّا «صلاة الغائب» وسيلةً لتعزية أنفسهم في فقيدٍ ابتلعته الفيافي التائهة.
• الطبيعة والوحشية.. تحالف «الزمهرير» و«الهجير»
في تلك الفيافي، لم يكن «الإنسان» هو الخطر الوحيد، بل تحالفت الطبيعة بقسوتها المتطرفة مع قطاع الطرق لتشكّل كماشة للموت تترصد الركب. تروي المصادر التاريخية فواجع يندّى لها الجبين؛ ففي كتاب «مرآة الزمان» لسبط ابن الجوزي، نجد توثيقاً لأحداث سنة 624 هـ، حيث هبّت ريح باردة «زمهرير» صرصر على قافلة الحج الشامي وهي في طريقها إلى المدينة المنورة. يصف ابن الجوزي المشهد المأساوي قائلاً إن الحجاج كانوا يتساقطون عن جمالهم جثثاً متخشبة من شدّة البرد، وهم لا يزالون محتضنين أمتعتهم، وكأن الموت جمّد حركاتهم في لحظة واحدة، حتى استحال الدرب مقبرة مفتوحة على مد البصر.
أما في الصيف، فكان «العطش» هو القاتل الصامت والعدو الأشرس. كانت الآبار متباعدة بمئات الكيلومترات، وكان «خبير الطريق» (الدليل) هو الشخص الأقدس في القافلة؛ فخطأ واحد في تقدير المسافة أو ضياع معالم الطريق بسبب عاصفة رملية يعني هلاك الآلاف عطشاً. يذكر المؤرخون أن بعض القبائل المارقة كانت تعمد إلى «طمر الآبار» أو تدمير قنوات المياه (الخرزات) التي بناها المحسنون مثل زبيدة بنت جعفر، ليس لغرض القتل فحسب، بل لإجبار القوافل على الانصياع لشروطهم أو دفع مبالغ خيالية مقابل كشف مصادر المياه. كانت المسافات تُقاس بـ «المراحل»، والمرحلة الواحدة قد تستغرق يوماً كاملاً من السير المضني، حيث تتقرح أقدام «المشاة» من الفقراء الذين يقطعون الفيافي حفاةً أو بنعال مهترئة، يقتاتون على خبز يابس مغمس بدموع التعب.
• قطاع الطرق.. حين تُباح الدماء لأجل «ريال»
كانت حالة السيولة الأمنية في الحجاز ونجد والطرق المؤدية إليهما تفرز عصابات منظمة تخصصت في «صيد البشر». هؤلاء لم يكونوا مجرد لصوص عابرين، بل كانوا يمارسون «إرهاباً» نفسياً ومادياً منظماً. سجل اللواء إبراهيم رفعت باشا في موسوعته «مرآة الحرمين» أن السلب والنهب كان يقع أحياناً تحت ظلال مكة، بل وصل الأمر ببعض العصابات للاختباء في كهوف جبل النور وجبل ثور، للانقضاض على الحجاج المنفردين الذين يسعون لنيل بركة المواقع النبوية.
وينقل التاريخ واقعةً تلخص انحدار القيمة الإنسانية في تلك العصور المظلمة؛ إذ غدر أحد الأعراب بحاج فقير وقتله، وحين فتش ثيابه لم يجد معه سوى «ريال واحد». وحين عاتبه أقرانه بتهكّم: «أتقتله من أجل ريال لا يسمن ولا يغني؟» أجاب بضحكة باردة تخلّت عن كل ذرّة رحمة: «الريال أحسن منه!». هذه السيكولوجية الإجرامية جعلت الحاج يعيش حالة من «البارانويا» واليقظة الدائمة، فلا يجرؤ أحد على الابتعاد عن نيران المعسكر ليلاً، ولا يسير المرء إلّا وهو يتحسس خنجره أو بندقيته «المقمع».
• «عقبة أيلة» وكمائن «عنزة».. توثيق «درب الهلاك»
في خرائط الحج القديمة، كانت هناك نقاط تُعرف بـ «المخانق». ففي درب الحج المصري، كانت «عقبة أيلة» (العقبة حالياً) تمثل العقبة الكؤود والاختبار الأعظم. يصفها المؤرخون بأنها ممر ضيق متعرج ينحدر بشدّة بين جبال بركانية سوداء. في هذا المضيق، كانت القبائل الجبلية تكمن في القمم العالية وتلقي بالصخور الضخمة والسهام المسمومة على القافلة المكدّسة، مما يؤدي إلى نفور الجمال وسقوط الحجاج بمتاعهم في الوديان السحيقة، مما يسهل على اللصوص النزول للإجهاز على الجرحى ونهب «الأحمال الثقيلة».
أما في الشمال، فيصف العلّامة أبو البركات السويدي في رحلته الشهيرة «النفحة المسكية» (1744م) منطقة العُلى ومدائن صالح بكونها مناطق «موبوءة بالخوف». يشير السويدي بمرارة إلى أن الخطر الحقيقي كان يأتي من مكمن «عرب عنزة» الذين يراقبون القافلة كالصقور، يترقبون الحاج الذي ينفصل عن الركب لراحة أو لمرض، فينقضون عليه ويسلبونه حتى ثيابه الداخلية، تاركين إياه عارياً لمواجهة مصيره تحت هجير الشمس أو برد الليل القارس.
• انقطاع الفريضة.. حين استسلم التاريخ للباغين
بلغ انعدام الأمن في بعض الحقب التاريخية حد الفاجعة الكبرى؛ وهي «تعطيل ركن الحج تماماً». يذكر الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» سنواتٍ سوداء انقطع فيها الحج من أقاليم شاسعة كالعراق وخراسان والشام لسنوات متتالية بسبب استيلاء الأعراب والقرامطة على مفاصل الطرق.
وفي أحداث سنة 317 هـ، بلغت المأساة ذروتها الدرامية التي لا تزال تُروى بكثير من الألم؛ حين هاجم القرامطة بقيادة أبي طاهر الجنابي الحجاج وهم في أقدس حالاتهم (في صحن الطواف)، فقتلوا الآلاف في يوم التروية، وردموا بئر زمزم بجثث الطاهرين، واقتلعوا الحجر الأسود من مكانه وحملوه إلى منطقة «هجر». كانت هذه الحادثة زلزالاً هزّ وجدان العالم الإسلامي، وأثبتت أن أمن الحرم لم يكن بمنأى عن أطماع البغاة، مما جعل «الأمان» مطلباً يعادل في قيمته فريضة الحج نفسها.
• عتبة القرن العشرين.. شهادات ما قبل «فجر الأمان»
حتى مع فجر القرن العشرين، ظل المشهد مروّعاً. الرحالة والعسكري الروسي عبد العزيز دولتشين، الذي حج عام 1899م في مهمة استخبارية لاستطلاع أحوال المسلمين، نقل في تقاريره السرية صوراً مرعبة لتردّي الأمن؛ حيث سمع وشاهد مقتل حجاج من أجل بضع ليرات، ورأى جثثاً ملقاة على طريق «جدة - مكة» لم تجد من يدفنها بسبب خوف الحجاج من التوقف.
ولم يسلم من هذا البلاء كبار الرموز؛ فعلّامة الشام محمد بهجت البيطار، تعرّض في رحلته عام 1910م لسطو مسلح غادر من عصابة سلبوه ثروته وثيابه وكتبه، وتركوه وحيداً يواجه الموت لولا تدخل العناية الإلهية. كانت هذه الحوادث تقع في ظل ضعف الدولة العثمانية التي كانت حامياتها «محبوسة» داخل القلاع، عاجزة عن تأمين الفراغ الشاسع بين المدن.
*****
لقد كان الحج قديماً ملحمة إنسانية كبرى، معركة مستمرة من أجل اليقين والبقاء. إن هذا السجل المثقل بالآلام والدماء والعطش، يجعلنا اليوم نقف بامتنان عميق أمام التحول التاريخي والمفصلي الذي طرأ على هذه الرحلة. لقد انتقل الحاج من مرحلة «كتابة الوصية» و«توقع الموت» إلى رحلة من الرفاهية والسكينة، في ظل سيادة الدولة التي وضعت أمن الحاج وكرامته فوق كل اعتبار، لتطوي بذلك صفحة سوداء من تاريخ «دروب الهلاك» وتفتح صفحة ناصعة من «مواكب النور».
- يتبع: «المحمل» وحراسات القوافل.