د. تاليا عراوي*
في بعض الأحيان، نجوب الطرقات لا لغرضِ شراءِ شيءٍ ما، بل لننسى أنفسنا أو لنجدها وسط زحام الوجوه، باحثين عن صلةٍ تذكرنا بإنسانيتنا المفقودة في خضم روتين الحياة. فكأننا، ومن خلال هذا النسيان المتعمد لذواتنا، حين نغلقُ أعيننا عما ألفناه، تنجلي أمام بصائرنا حقائقُ كانت غائبةً خلف زيف المظاهر. وفي غمرة هذه الحالة من المساءلة الوجدانية والبحث عن الذات أجد نفسي محاولةٍ فهمِ تناقضاتِ هذا العالم.
لقد تبدّلت الثقافة حتى باتت تلك الفطرة تُصنف سذاجة، ويُوصم القلب المعطاء بلقب «الأبله»، تماماً كالأمير ميشكين في رواية «الأبله» للكاتب الروسي دوستويفسكي. فوسط زيف القاعات المخملية، وقف ميشكين كمرآة حيّة لا تعكس خيلاء النخبة، بل تفضح بشفافيتها ما وراء الستائر من ظلمات. وقف بلا درع أو قناع، بكيان مكشوف يفيض بصدقٍ أربك العقول الغارقة في السخرية، فلم تجد له في قاموسها لقباً سوى «الأبله».
فـ «ميشكين» يفتقر تماماً لتلك الحكمة النفعية الباردة التي تزنُ العواطف بميزان الربح والخسارة، وتتغذّى على الجفاء تجاه آلام الغرباء. هو لا يملك ترف التدرّع بالشك، ولا يحسن حساب كلفة المبادرة الإنسانية، بل يكتفي بأن يلمس بوجدانه ثقل المعاناة في عينِ من يقابله، فيندفع نحوها بطاقة فطرية نابعة من طهر النعمة التي ترفض الانحناء لمنطق المادة.
منذ وصوله الأول إلى سانت بطرسبرغ، مارس ميشكين فعلاً من أفعال المساواة الجذرية؛ إذ خاض مع «الخادم» حواراً عميقاً وروحانياً، متجاهلاً الجدران غير المرئية للتراتبية الطبقية. هذا المشهد الذي أثار ذهول المجتمع، لم يكن في نظر النخبة سوى دليلٍ دامغ على بلاهته؛ ففي عالمهم، يُعدّ التحدث مع الخدم كأندادٍ عيباً في الإدراك وخرقاً لبروتوكول القوة. لقد سخروا من عدم قدرته على تمييز مقامه، غافلين عن أن شفافيته الميشكينية هي في جوهرها انعكاسٌ لوعيٍ كونيّ بالكرامة الإنسانية.
الناس سواسية كأسنان المشط
هذه الشفافية تجد صداها الأكثر عمقاً في التقليد الإسلامي، الذي قوّض مفهوم التفوّق الوجودي منذ قرون. لقد أعاد النبي محمد صلى االله عليه وسلم صياغة العلاقة بين السيد والمُعين بشكل جوهري، مقدّماً المعنى الأسمى للكرامة في قوله: الناس سواسية كأسنان المشط، إذْ لا يرتفع سنٌّ فوق آخر، تماماً كما وقف ميشكين أمام الخادم: روحاً تقابل روحاً، دون أن تحجبها رتبة أو يكسرها جدار.
كما وجّه الإسلام بوصلة التعامل الإنساني برؤيةٍ تذيب الفوارق الطبقية، حيث قال النبي صلى االله عليه وسلم: إخوانُكم خَوَلُكم، جعلهم الله تحت أيديكم؛ فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمْه مما يأكل، وليلبسْه مما يلبس. ولم يكن هذا التوجيه مجرد تنظيرٍ مثالي، بل تجلّى واقعاً في إرث أنس بن مالك، الذي خدم النبي صلى االله عليه وسلم عشر سنين دون أن يسمع منه كلمة تذمّر واحدة؛ وهو الإرث الذي يكرّس ذات المبدأ الميشكيني الذي يرفض إعلاء المركز الاجتماعي على حساب القيمة الرفيعة التي وهبها الله لكل بشري.
وبالمثل، عُرف عن الصحابي أبي ذر الغفاري أنه كان يلبس خادمه من ذات القماش الذي يرتديه، معتبراً أي فجوة في الجودة بمثابة بتر صامت للتعاطف. كانت هذه الروح قوية لدرجة أن الخليفة عمر بن الخطاب زجر ابن والٍ لغطرسته بمقولتهِ الشهيرة: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.
لقد وضعنا دوستويفسكي أمام استحقاقٍ مرير: ففي عالمٍ محكومٍ بقانون الأنا المفرطة، يبدو هذا النوع من التعاطف الفطري المجرد صنواً للجنون. يمكننا تخيّل ميشكين كتيارٍ كهربائي عالي الجهد حاول الاتصال بدائرةٍ اجتماعية صدئة ومنخفضة الجهد؛ وفي نهاية المطاف، لم تكتفِ تلك الدائرة بالانكسار، بل تسببت في احتراق المصدر ذاته. ولأنه رفض التدرع بأقنعة الزيف، وافتقر إلى ذلك الحائط النفسي العازل، وجد نفسه يمتص صدمات كل نرجسي ومفترس التقى به. وبرفضه المطلق لإصدار الأحكام أو المفاضلة بين البشر تسبب ،عن غير قصد، في إحداث فوضى في محيطه، فانتهى به الأمر هاوياً في غياهب صمتٍ مطبق وبلهٍ حقيقي/فعليّ. إن انكسار عقله في النهاية هو النتيجة المنطقية الوحيدة لإنسانٍ حاول التمسّك بجوهر إنسانيته المقدّسة، في حيز يعجُّ بأشخاصٍ لا يشغلهم سوى بيع تلك الإنسانية في سوق المزايدات.
لقد نفذ هؤلاء الأشخاص إعداماً صامتاً لميشكين القابع في كلٍّ منّا؛ ففي تلك اللحظة التي يقرر فيها المرء أن يمنح ثقته الكاملة للآخر دون ضمانات أو حذر، لا يُقابل بالوفاء، بل يُنظر إليه كصيدٍ سهلٍ في غابةٍ من النفعية. إنه الانكسار الذي يشعر به صاحب القلب النقي حين تُصنف نزاهته سذاجة، وصدقه بلاهة ، فيجد نفسه موصوماً بـ «الأبله» لمجرد أنه افترض في الآخرين شرفاً يفتقدونه. هذا الازدراء المجتمعي يبني جداراً من العزلة حول الروح، محوّلاً شجاعة الانفتاح إلى شعورٍ بالخزي، واللطف الفطري إلى خطرٍ أخلاقي يستوجب التوبة منه، لننتهي بإغلاق أرواحنا خلف متاريس الريبة خوفاً من سخرية العالم قبل غدره.
تكمن المأساة الحقيقية في أننا، وخوفاً من الوصم أو النبذ، نُمارس قسراً بحق أنفسنا فعل اللامبالاة؛ فنكبح جماح لطفنا حين يستغيث بنا الموقف، ونخرس صوت صدقنا خشية أن نُحسب على الضعفاء أو الساذجين نسلّم أرواحنا دون وعي للصوص أكثر خطورة: أولئك الذين يسرقون قدرتنا على الإيمان بخيرية من حولنا.
لقد حذّر الروائي تولستوي من أن الروح تشبه السائل، إن لم تتدفق في خدمة الآخرين فإنها حتماً ستتحجر وتندثر؛ ففي جوهر فلسفته لا ينمو الكيان الإنساني بالانغلاق، بل بالبذل، وبفعل صبّ الذات في وعاء الآخر منعاً لركود الروح وفسادها.
إن اختيارنا بأن نظل «بلهاء» على خطى ميشكين هو في جوهره انحيازٌ وجودي، ورغم أنه خيارٌ يضعنا على مقصلة السخرية ويجعلنا هدفاً سهلاً لسهام الاستغلال، إلّا أن ضريبته تظل أقل وطأة من ضريبة «النجاة» الزائفة. فأن تعيش بقلبٍ مكشوف ومستباح، تتجرّع مرارة الخيبة تلو الأخرى، يظلُّ المسار الوحيد الذي يبقي جذوة الروح متقدة؛ أما تلك الحياة التي نعتصم فيها بأسوار اللامبالاة، فما هي إلّا حصونٌ مشيّدة بدقّة، نحرس فيها أرواحاً ماتت بالفعل خنقاً خلف جدران الحذر.
* كاتبة وأخصائية في الأخلاقيات وعضو المجلس العالمي للأخلاقيات الطبية الإسلامية وناشطة في مجال حقوق الإنسان