رفع اللثام عن أختام القضاة والحكّام
حجم الخط
في اللغة ختمه يختمه ختماً وختاماً أي طبعه فهو مختوم ومختم . قال الزجاج معنى ختم وطبع واحد في اللغة وهو التغطية على الشيء والخاتم (بفتح التاء) ما يوضع على الطينة . اشتق العرب اسمه من ختم لأنه كان يستعمل للختم.
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب إلى كسرى فقيل له إن العجم لا يقبلون كتاباً إلا ان يكون مختوماً. فاتخذ خاتماً من فضه ونقش فيه «محمد رسول الله» واقتدى الخلفاء النبي فنقشوا على خواتمهم الحكم والآيات بعد أن كانوا لا ينقشون عليها سوى الأسماء. فنقش أبو بكر على خاتمه «نعم القادر الله» وعمر «كفى بالموت واعظاً يا عمر» وعثمان «لتصبرن او لتندمن» وعلي «الملك لله» وعمر بن عبد العزيز «الوفاء عزيز» وهارون الرشيد «كن من الله على حذر» والراشد بالله «من آمن بالانتقال عمل للمآل» وعبد الرحمن بن الحكم «عابد الرحمن بقضاء الله راضٍ».
اتخذ سلاطين آل عثمان أختاماً من الذهب واشتهروا بالطغراء وهي مجموعة من الخطوط المتشابكة التي تحتوي إسم السلطان وبعض التمنيات بازدهار حكمه وعند تغير السلطة يتغير الإسم والتاريخ.
واستعمال الطغراء قديم يعود للقرن الثاني عشر. سمي الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد كاتب السلطان السلجوقي مسعود بن ملك شاه بالطغرائي لأنه كان مكلفاً بختم طغراء الأمير في أعلى قراراته وقلده الباشوات والولاة والسلاطين وتسمى الطغراء في مصر وشمال إفريقيا علامة يذكر انه عندما انتصر السلطان محمود على اخيه السلطان مسعود قبض على الطغرائي واراد قتله ولكنه خاف عاقبة النقمة عليه فأوعز الى من اشاع اتهامه بالإلحاد والزندقة فتناقل الناس ذلك فتخذه السلطان حجة لقتله. من أشهر قصائد الطغرائي لامية العجم التي كانت تدرس لطلاب العربية في بيروت القديمة كما ذكر الشيخ مصطفى الغلاييني ومطلعها:
أصالة الرأي صانتني عن الخَطَلِ
وحلية الفضل زانتني لدى الخَطَلِ
واشتهر البيت القائل:
فيم الإقامة بالزوراء لا سكني
بها ولا ناقتي ولا جملي
كان من الأصول المتبعة ان يسك ختمان للسلطنة ختم يبقى بيد السلطان وختم يبقى بيد الصدر الأعظم وكان قطر كل ختم 22 ملم ومختوم بكل منهما الطغراء الهمايونية ويؤخذ من السلطان السابق الختم الخصوصي.
وكانت الأختام قديماً بالخط الكوفي ثم استعمل الخط النسخي وفضل أهل المغرب خط التعليق بحيث يمكن مدّه وقصره بحرية. وتتضمن الأختام تاريخاً هو التاريخ الهجري يوضع بالأرقام وأحياناً توضع آخر الأرقام فبدل 1253 يوضع 253.
وقلد الأوروبيون الذين زاروا الشرق أو حكموا به الشرقيين باستعمال أختام مسجعة او أبيات شعرية فالمستشرق سيلفستر دي ساسي اتخذ ختماً يختم به رسائله عليه بيت الشعر:
بعثت إليك به أخرساً يناجي العيون بما استودعا
يمكن القول إنه كان في القرن التاسع عشر لكل رجل ختمه يستعمل لتثبيت التعهدات والوعود فعندما يحررون سنداً كان الختم يحلّ محل التوقيع وسواء كان السند بخط الشخص أو بخط غيره، فالختم هو الذي يثبت الموجب. فالتوقيع يقابله: وضع الشخص ختمه. وفي اللاتينية Signare من Signum وتعني هيئته Figure ويفسر جهل الكتابة شيوع الأختام. وقد حرص الناس على حمل أختامهم وعدم تركها.
كان من يتسمى بأسماء الأنبياء يورد إسم النبي على خاتمه مثل «سلام على نوح في العالمين» و«واذكر في الكتاب إسماعيل» و«إنه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم» وكان السلطان سليمان القانوني يفتتح خطاباته بالآية المذكورة. و«يا يحيي خذ الكتاب بقوة». وكان نقش خاتم محمد علي باشا بيت من قصيدة البردة:
فإن لي ذمة منه بتسميتيمحمداً وهو أوفى الخلق بالذممِ
ونقش ابنه إبراهيم باشا «سلام على إبراهيم».
يذكر أن فؤاد باشا ناظر الخارجية العثماني عندما حضر إلى بيروت للتحقيق في حوادث الجبل سنة 1860م ومتابعة محاكمات المجلس العالي الذي شكل لهذا السبب وكان يعقد جلساته في القشلة العسكرية - التي أصبحت السراي الكبيرة - كان يوقع على الأوامر التي يصدرها بختم محفور فيه عبارة «الوزير الأعظم محمد فؤاد». يذكر أن ختم الأمير يوسف الشهابي متولي جبل لبنان سنة 1770م كان نصـه «يا رب في يوم الحساب الطف بعبدك يوسف شهاب».
أختام البيارتة المسجعة
اتخذ البيارتة في القرن التاسع عشر أختاماً تفننوا في نصوصها المسجعة واستعملوها لختم رسائلهم وتعهداتهم .فكان نقش الشيخ يوسف الأسير «عبده الفقير يوسف الأسير». ونقش ختم الشيخ عبد الغني البنداق إمام زاوية إبن عراق وزاوية الأوزاعي في السوق الطويلة «إرحم يا خلآّق عبدك عبد الغني البنداق». كان نقش ختم الشاعر عمر الأنسي السقعان «يا من تعالى فاقتدر اختم بالخير لعمر».
أما نقيب أشراف بيروت الشيخ عبد الرحمن النحاس فكانت له ثلاثة أختام أعلن ذات يوم عن فقدها والتحذير من استعمالها. الختم الأول منقوش عليه أسماء أهل الكهف السبعة، ونقش الثاني «عبد الرحمن حلمي»، ونقش الثالث «وفّق يا رب الناس عبد الرحمن النحاس».
وكانت أختام الشيوخ محمد الحوت وعبد الله خالد ومفتي بيروت الشيخ محمد الحلواني ومفتي بيروت الشيخ عبد الباسط الفاخوري بأسمائهم فقط. أما المفتي علي فتح الله والد المفتي الشيخ عبد اللطيف فتح الله فقد كان نقش ختمه سنة 1203هـ «راجي عفو الله عبده علي فتح الله».
أختام قضاة بيروت
توالى على قضاء بيروت عدة قضاة لم تصلنا نصوص جميع أختامهم وعلاماتهم. فعندما تولى الشيخ أحمد الأغر سنة 1224هـ نيابة قضاء بيروت كان نقش خاتمه «رب سهل أمور أحمد». وعندما تولى الشيخ محمد المفتي الطرابلسي الأشرفي قضاء بيروت سنة 1259هـ كان نقش خاتمه « محمد المفتي «وعندما كان مفتياً اتخذ خاتماً نقشه» وإن خاتم الرسل محمد « وخاتماً ثالثاً نقشه «السيد محمد».
وفي سنة 1272هـ كان مصطفى عاشر نائباً على بيروت فكان نقش ختمـــه «عاشر الناس بخلق المصطفى».
يذكر أن حكومة متصرفية جبل لبنان اكتشفت سنة 1883م 250 ختماً مزوراً في جهة المتن وان هذه الأختام استعملت في مسألة عرضت هناك فأجرى واصا باشا تحقيقاً في الموضوع.
من الطريف أن نذكر أن أميركياً كان قاطناً في بيروت أرسل سنة 1859م فرساً له إلى عائلته التي كانت مقيمة في إحدى قرى جبل لبنان، وباعتباره كان ملزماً أن يرسله مسرجاً صحبه أحد المكارية – فختم السرج في عدة مواضع على ورق مخافة أن يركبه المكاري، ولكن هذا الأخير من حنقه ما أن وصل إلى حرج بيروت حتى حل السرج ووضعه على ظهره وركب الفرس إلى أن وصل إلى القرية متحملاً سخرية عابري السبيل نكاية بالأميركاني.
كان الخواجا بطرس كريستيان من أقدم من ينقش أختاماً من المعادن في بيروت وقد اتخذ سنة 1867م مركزه في السوق الطويلة. ثم اشتهر الخواجا باكوبي المتخذ محله في محل عجوري في السوق المشار اليها.
يذكر أنه في سنة 1907م كثر تقليد الأختام في دمشق واقترح وضع نظام جديد لهم يمنع بيع الأختام أو نقشها قبل التحقق من هوية طالب الختم وأنه هو المسمى بالإسم المطلوب نقشه ووجوب قيد اسم المحترف في دفتر مخصوص وتعطى له رخصة بالإحتراف بها ويسلم له دفتر سنوي يؤرخ بتاريخ مخصوص مصدق عليه في الدائرة وعليه عدم نقش الختم الا بعد ان يحضر له الطالب شاهدين معروضين بأنه هو المسمى بالإسم وبعد ان يتم النقش يأخذ المحترف صورة عنه بأن يختمه في الدفتر ويكلف الشاهدين وضع امضائهما تحته منعاً للتزويــــر.
*محامٍ ومؤرخ






