إذا كان رمضان هو شهر الصيام نهاراً، فهو في الوجدان العربي شهر «السكر والجمال» ليلاً. لا تكتمل الهوية البصرية والذوقية للموائد العربية عقب صلاة التراويح إلا بتلك الأطباق التي تفوح منها رائحة السمن العربي، وماء الزهر، والقطر المصفى. إن الحلويات الرمضانية ليست مجرد «تحلية» للمعدة، بل هي تاريخٌ يُؤكل، وحضارةٌ تُتذوق. من «الكنافة» التي قيل إنها صُنعت لتهدئة جوع الخلفاء، إلى «القطايف» التي تبارى الشعراء في وصفها، وصولاً إلى «اللقيمات» الخليجية، تروي لنا هذه الأطباق قصة أمة استطاعت تحويل السكر إلى فن، والضيافة إلى رسالة محبة.
•تاريخ «المقالي» و«الحلواء».. من القصور إلى الحارات تُجمع المصادر التاريخية على أن رمضان كان الموسم الذهبي لازدهار صناعة الحلوى في العصور الإسلامية. يذكر المؤرخ ابن النديم في «الفهرست» أن العرب عرفوا أنواعاً شتى من الحلويات التي تعتمد على العسل والدقيق واللوز. ويُفصل المقريزي في «الخطط» كيف كان الحكام الفاطميون والمماليك يخصصون ميزانيات ضخمة لما يُسمى بـ «دار الفطرة»، حيث كانت تُصنع أطنان من الكنافة والقطايف لتوزيعها على الرعية. وفي دمشق، يروي ابن كنان في «يوميات شامية» أن دكاكين الحلوانية في «سوق البزورية» كانت تظل مفتوحة طوال الليل في رمضان، وكان «رئيس الحلوانية» منصبًا معتبرًا يشرف على جودة السكر والسمن المستخدم، لضمان أن تكون «حلوى رمضان» تليق بقدسية الشهر.
•ملحمة «الكنافة والقطايف».. الصراع الشعري اللذيذ لا يوجد طبقان في التاريخ العربي نالا من اهتمام الشعراء والأدباء ما نالته «الكنافة والقطايف». يذكر المؤرخون أن الكنافة ظهرت لأول مرة في عهد معاوية بن أبي سفيان (كنافة معاوية)، حيث وصفها له الأطباء لتسد جوعه في السحور. أما القطايف، فقد ظهرت في العصر الفاطمي، وقيل إنها سُميت بذلك لأن الضيوف كانوا «يقتطفونها» بسرعة للذتها. وقد نشب «صراع أدبي» طريف بين عشاق الصنفين، خلدته قصائد شعراء كبار مثل ابن الرومي الذي وصف القطايف قائلاً: «كأنَّها من مَلاحَةٍ وحَلا... نُقوشُ وَشْيٍ جَلاها كَفُّ نَقَّاشِ» بينما انحاز آخرون للكنافة، واصفين إياها بـ «عروس الموائد». هذا التنافس لم يكن على الموائد فقط، بل كان جزءاً من «السجالات الأدبية» في المجالس الرمضانية، مما جعل من هذه الحلويات مادة للثقافة والسمر والفكاهة.
•دول الخليج العربي.. «اللقيمات» و«الخبيصة» و«الساقو» في دول الخليج (السعودية، الكويت، الإمارات، قطر، البحرين، وعمان)، تأخذ الحلويات الرمضانية طابعاً يمزج بين خيرات النخلة وهبات البحر. اللقيمات (العوامة) هي سيدة السهرة الخليجية بلا منازع. كرات ذهبية مقرمشة تُسقى بـ «دبس التمر» أو العسل وتُرش بالسمسم. يذكر الباحثون في التراث الخليجي أن «لقيمات رمضان» كانت تُقلى في قدور كبيرة في «الفريج» ويتبادلها الجيران كرمز للمودة. الخبيصة والعصيدة حلويات تعتمد على الطحين المحمص والسمن والسكر والهيل والزعفران. تُعد من أطباق الطاقة التي تمد الصائم بالدفء والنشاط. الساقو والحلوى العمانية، يبرز «الساقو» (المستخلص من النخيل) كمشروب وحلوى في آن واحد، بينما تظل «الحلوى العمانية» بنكهة الزعفران والماء الورد الجبلي هي أرقى ما يُقدم في المجالس الرمضانية في مسقط وكافة دول الخليج، حيث تُطبخ في «مراجل» نحاسية كبيرة وتتطلب مهارة يدوية عالية.
•بلاد الشام ومصر.. «النابلسية» و«أم علي» وفن التقديم في فلسطين وسوريا ولبنان: تتربع «الكنافة النابلسية» على العرش، بجبنتها الساخنة وقطرها المعطر. ويشتهر الشوام بـ «كول واشكور» و«المدلوقة» و«النمورة». في بيروت القديمة، كانت «القطايف بالعصافيري» (المحشوة بالقشطة والمزينة بالفستق) هي ضيفة السهرات الأساسية عقب صلاة التراويح، الا انه يسجل لبيروت إبتكار صنفاً خاصاً من البقلاوة، إقترن بشهر رمضان المبارك وبإسم صانعها، ألا وهي «خدف» رمضان التي كانت تعرف بالبقلاوة «الزغلولية». يخبرنا المؤرخ المحامي عبد اللطيف فاخوري أن سعيد الزغلول إشتهر بصنع نوع من البقلاوة المحشوة بالجوز. وذاع صيتها وأقبل الناس عليها لاسيما في شهر رمضان المبارك، ونُسبت إليه فعُرفت بـ«البقلاوة الزغلولية». وكانت عبارة عن قطع صغيرة على شكل Lozange. وخلال شهر رمضان المبارك كان يرسل منها عدداً من الصدور إلى جانب مدخل الجامع العمري الكبير في شارع «المعرض» عند صلاة العصر، فُيقبل عليها الصائمون لدى خروجهم من المسجد قبل موعد الإفطار بشكل كبير فيبيعها كلها. وهذا ما جعل «البقلاوة الزغلولية» حلوى موسمية مرتبطة بشهر رمضان المبارك. ومع مرور الوقت، سُميت «البقلاوة الزغلولية» بعدما صارت تصنعها كل محال الحلويات العربية خلال رمضان بـ«حدف رمضان». وأطلق عليها هذه التسمية لأن طريقة تحضير عجينة هذه البقلاوة الرمضانية تقتضي من «الحلونجي» حدفها من اليد اليسرى إلى اليمنى وبالعكس وبطريقة حرفية خاصة، حتى تُصبح العجينة جاهزة للمد في الصواني. في مصر: تبرز «أم علي» (رقائق العجين بالحليب والمكسرات) كطبق ملكي شعبي. وتتنوع الكنافة في مصر لتشمل الكنافة بالمانجو (حديثاً) والكنافة بالمكسرات (تقليدياً). يذكر الجبرتي أن باعة الكنافة كانوا يحرصون على «تسوية» العجين على أفران الطوب اللبن في الشوارع، في مشهد استعراضي يجمع الصبية حولهم لمشاهدة خيوط العجين وهي تتحول إلى ذهب.
•المغرب العربي.. «الشباكية» و«المقروض» و«قلب اللوز» في دول المغرب العربي (المغرب، الجزائر، تونس)، الحلويات هي هندسة معمارية مصغرة. الشباكية المغربية حلوى معقدة التشكيل، تُقلى وتُغمس في العسل والسمسم، وهي رفيقة «الحريرة» على مائدة الإفطار. المقروض التونسي والجزائري، يُصنع من السميد ويُحشى بالتمر، ويُعد من أقدم الحلويات في القيروان. قلب اللوز هي النسخة الجزائرية من البسبوسة ولكن بنكهة ماء الزهر الكثيفة واللوز، وتعتبر «سلطانة السهرة» في أحياء القصبة، حيث لا يكتمل سمر الجزائريين بدونها بجانب «الشاي بالنعناع».
•العراق واليمن والسودان.. «الداطلي» و«بنت الصحن» في العراق: يشتهر «الداطلي» (بلح الشام) و«المن والسلوى». وتعد «الزلابية» العراقية بلونها البرتقالي الزاهي وقرمشتها الفريدة هي المفضلة لدى البغداديين في مقاهي «الميدان» أثناء لعب «المحيبس». في اليمن تبرز «بنت الصحن»؛ وهي فطيرة يمنية متعددة الطبقات تُسقى بالعسل اليمني الفاخر والسمن. يذكر المؤرخ الحجري أنها تُعد اختباراً لمهارة ربة البيت في رمضان، حيث يجب أن تكون الطبقات رقيقة جداً وشفافة. في السودان يفضل السودانيون الحلويات البسيطة مثل «اللقيمات» (اللقمة) و«الأرز باللبن»، مع التركيز على التمور المحشوة، وذلك لموازنة دسامة الأطباق الرئيسية.
•«الحلو» بعد الصيام.. مكافأة الروح تناول الحلويات في رمضان يتجاوز الحاجة العضوية للسكر؛ إنه «مكافأة معنوية» للصائم بعد نهار من الصبر والامتناع. رائحة السمن والقطر في أزقة المدن العربية تعمل كـ «محفز للسعادة» الجماعية. إن تجمع العائلة حول «طبق حلويات واحد» يكرس قيم المشاركة؛ فالكل يأكل من نفس الصحن، والكل يتقاسم اللذة، مما يجعل من السكر وسيلة لـ «تحلية» العلاقات الإنسانية المتباعدة.
****
إن الحلويات الرمضانية في الوجدان العربي هي «قصيدة السحر» التي تُكتب بالمذاق. من «خيوط الكنافة» في نابلس إلى «لقيمات» دبي، ومن «شباكية» الرباط إلى «بسبوسة» القاهرة، تظل هذه الأطباق شاهداً على ذوق رفيع وحضارة احتفت بالحياة بقدر ما احتفت بالعبادة. سيظل رمضان هو الموسم الذي نجدد فيه عهدنا مع «الحلاوة»، ليس حلاوة المذاق فحسب، بل حلاوة اللقاء والجمع والذكريات التي لا يمحوها الزمن.