قبّة العشرة (3) قباب جامعيْ الدبّاغة والبدوي ومنارتاهما
حجم الخط
تمّ فتح صيدا وعرقة وجبيل وبيروت في خلافة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ونقل المؤرخون أن أبا الدرداء وسلمان الفارسي كانا من أوائل من قدم للمرابطة في بيروت. وقد فرض وجود المسلمين فيها وجود مكان للصلاة فمن البديهي أن يختار الفاتحون المواقع المرتفعة عن شاطىء بيروت ليقيموا عليها رباطهم ومسجدهم. فاختاروا تلّا عالياً مشرفة على البحر، لكي يبنوا عليها أول مسجد عرفته بيروت .ولا تفيدنا المصادر المتوفرة عن مساحة هذا المسجد وارتفاعه وبنائه وأن كان من المعقول القول بأنه بني من حجر وذلك بالنظر لوفرة الأحجار قرب الشاطىء عامة وفي التل المشار إليه خاصة. وليس لدينا ما يشير الى بناء مئذنة للمسجد علماً بأن ارتفاع موقع المسجد لم يكن بحاجة الى مئذنة. ومن المتواتر أنه أطلق على المسجد المذكور اسم المسجد العمري نسبة للخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي تم الفتح زمن خلافته.
في غياب تفاصيل بناء الجامع العمري الأول الذي بناه المسلمون عند فتح بيروت، لم يبق لنا إلا أن ننطلق من سنة 1291م أي عند دخول جيش السلطان المملوكي الأشرف خليل بن قلاوون الى بيروت.
قبة جامع الدباغة وقبة مئذنته
في تموز سنة 1291م دخل الأمير سنجر الشجاعي بيروت أحد قواد جيش السلطان المملوكي الأشرف خليل بن قلاوون. وعهد الى التنوخيين الارسلانيين آل بحتر أمراء الغرب بأمر الدفاع عن بيروت . فجعلوا بيروت مرفأ لدمشق . ذكر صالح بن يحيي أن ناصر الدين بن الحسين 668- 751هـ / 1269 – 1350م بنى داراً مجاورة للبحر وجعل أطباقها مسجداً فمدحه الشاعر جمال الدين حجي بن شهاب الدين أحمد ، مشيراً الى هذا المسجد:
آنستم الدار الجديدة مغرباً
ووحشتم الدار العتيقة مشرقا
ما أبصرت عيناي بحراً جامعاً
في جامع من فوق بحر أزرقا
ولا يستبعد أن يوصف هذا الجامع فيما بعد بجامع البحر مع بقاء صفته الأصلية الجامع العمري
ويرجح أن بناء هذا الجامع أو ترميمه تمّ في فترة تولي ناصر الدين حسين درك بيروت حوالي سنة 1343م. الى ان عرف بجامع الدباغة لوجود دباغات المدينة بجواره. وفي غياب المعلومات عن سمك السور وارتفاعه فإن الصور التي نشرت لجامع الدباغة ولباب السراي تعطينا فكرة عن ذلك. منها أن ارتفاع السور يصل الى خمسة أمتار وأن أحد جدران المسجد ومئذنته مستندان الى السور الذي شكل أيضاً دعامة لقبة المسجد الحجرية الكبيرة التي يمكن القول بأنها أقدم قبة في بيروت وان المسجد كان مرتفعاً عن البحر يصعد اليه بعدة درجات.
وإذا صحّ الرسم المعروف لهذا الجامع على أنه جامع الدباغة، فإن هذا الجامع يتميز بأنه أول مسجد في بيروت ضمّ قبة حجرية كبيرة إضافة الى مئذنة حجرية ايضاً بنيت فوق سور المدينة مربعة الشكل فوقها قبة صغيرة وتنفتح في الأجزاء العليا من جدران المئذنة اربعة نوافذ ولا تتضمن شرفة لوقوف المؤذن وتتخذ أيضاً مرقباً لمراقبة الشاطىء. وتكاد هذه المئذنة ان تكون نسخة طبق الأصل عن أول مئذنة بنيت في جامع مدينة فاس العتيقة منذ اكثر من الف سنة. مما قد يوحي بان مغاربة عرفتهم بلاد الشام عامة وبيروت خاصة أسهموا في بناء الجامع فتركوا بصماتهم فيه.
ولا يمكن إغفال تأثر بناة المسجد بالأبنية التي سبقته والتي انشأها الصليبيون في بيروت . ومنها القبة التي بنوها في قلعة بيروت ووصفها الرحالة اولدنبرغ سنة 1212م (اشرنا اليها في مقالنا الأول عن قباب بيروت). كما انه لا يمكن استبعاد اقتباس مئذنة المسجد من برج الكنائس المربع الذي تعلوه قبة صغيرة ويخلو من شرفة. علماً بأنه لم تمر مدة طويلة بين انتهاء الحكم الصليبي سنة 1291م وبناء المسجد سنة 1343م.
يذكر ان مئذنة مسجد بيروت المذكور كانت أول مئذنة في بيروت لأن مئذنة الجامع العمري الكبير (النبي يحيى) أنشئت في محرم الحرام سنة 914 هـ/أيار 1508م وهي تشبه مئذنة الجامع الأموي بدمشق. ومئذنة جامع الأمير عساف السراي بنيت مع الجامع بعد سنة 1524م. كما بنيت مئذنة جامع الأمير منذر اي جامع النوفرة أو الجامع المعلق أو جامع القهوة مع إنشاء الجامع سنــة 1620م.
ذكر عبد الغني النابلسي في كتابه « التحفة النابلسية في الرحلة الطرابلسية «ان في بيروت أربعة جوامع احدها جامع البحر» وهو أصغرها مرتفع مطل على البحر يصعد الى فنائه سلّم حجر نحو خمسة عشر درجة. ثم يصعد إليه بدرج آخر ثماني درجات ...».
ونظراً لوجود دباغات خارج السور المبني قسم من الجامع على أحد دعائمه صار يعرف بجامع الدبّاغة. ففي سنة 1232 هـ/1817م كما جاء في ديوان المفتي الشيخ عبد اللطيف فتح الله. كما رمم الجامع سنة 1879م كما تم ترميمه سنة 1891م بعدما اوشك على الخراب حتى صار الأهالي يخشون الدخول اليه للقيام بالفروض الدينية. وأخيراً وبحجة تنظيم أسواق بيروت وطرقاتها تم هدم الجامع سنة 1932م وبني على بعد أمتار منه في شارع فوش الحالي جامع باسم أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
قبة مئذنة زاوية (جامع) البدوي بنيت محلة المرفأ قريباً من الشاطىء زاوية (جامع) عرفت بزاوية البدوي، لا قبة لها وقد نسبت الى السيد أحمد البدوي الفاسي المغربي، وتميزت بمئذنة (منارة) مبنية على طراز شبيه بمئذنة جامع الدباغة وببرج جرس الكنائس مربعة الشكل لا شرفة فيها وفي الجزء العلوي منها نوافذ وتغطي المئذنة قبة صغيرة (قبعة؟). كما تشكل برجاً ومنارة لمراقبة الشاطىء ورصد أية تحركات غريبة.
نشر المغاربة فرقاً صوفية منها الطريقة المنسوبة الى السيد أحمد البدوي في مصر والشام. من الطبيعي أن يستوطن المغاربة المدن العربية بعد تحريرها . كما أنشأوا في بيروت أبراجاً في نقاط متفرقة من الشاطىء للمراقبة ورصد التحركات المعادية والمرابطة. منها برج حمود وبرج أبي هدير الذي كان له ضريح قرب القلعة. وقد أزيلت وتهدمت زاوية (جامع) البدوي دون معرفة طراز المسجد وموقعه وارتفاعه ومحرابه ولا الحجارة التي استعملت في بنائه ولا حتى سنة إنشائه ومن أنشأه. وقد وردت عبارة وحيدة في تقويم الإقبال انه كانت في الجامع بلاطة كتب عليها أن الذي بناه «الأمير عز الدين بن أزدمير بن عبد الله الخوارزمي الناصري «ورجح البعض أن يكون عز الدين المذكور هو والي بيروت عز الدين البيسري (كما ذكره الدويهي) والذي عرف أيضاً بعز الدين الوزيري. وأن بناء الجامع حصل سنة 743 هـ/1342م في حين رجح آخر بناء الجامع الى سنة 1333 م/ 734 هـ.
ويتبين من اسم باني المسجد أنه من أمراء المماليك فأزْدَمُرْ اسم شاع أثناء حكم المماليك. وهو خوارزمي لأن أصله من خوارزم. والناصري لأن والده من مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون. وأزْدَمُرْ بالتركية يعني النوع الأفضل من الحديد .قدم من المنطقة الغربية لجبال القوقاز (الشركس) مع عدد آخر من المماليك . ويتوافق بناء الجامع مع ما قلناه حول قيام المماليك بإقامة المنشآت الدينية. ومن المرجح أن يكون عز الدين المذكور من مريدي أحمد البدوي فقام ببناء زاوية بيروت في السنة التي تلت بناء خاتون المملوكية زاوية البدوي في غزة.
وإذا عدنا الى الصورة التي نشرها فؤاد دباس في كتابه بيروت ذاكرتنا ويظهر فيها خان الملاحة والى جواره زاوية البدوي ، يتبين أن زاوية الجمرك هي زاوية البدوي نفسها وذلك من باب تسمية الشيء بجواره كما حصل بتسمية جامع البحر بجامع الدباغة وجامع الأمير منذر بجامع النوفرة وجامع القهوة.
القباب في بقية المساجد
ليس ثمة معلومات موثقة على قباب مساجد بيروت قبل العمري (البحر – الدباغة) والبدوي. وما ذكر عن جامع الخضر يختلف باختلاف هوى الكتّاب. فلوران دارفيو الذي زار بيروت سنة 1660م ادعى ان الجامع كان كنيسة حولها علي باشا الدفتردار الى مسجد. اما عبدالغني النابلسي فقد شاهد سنة 1700م قبة عظيمة يقال لها مقام الخضر عليه السلام وأمامها بئر عليه قبة صغيرة علما بان الصورة القديمة لمقام الخضر تظهر البئر تعلوه قبة صغيرة على اعمدة شبيهة بمنارتي جامعي الدباغة والبدوي. ( فصلنا ذلك في كتابنا زوايا بيروت).
أما سقوف بقية المساجد فهي مغطاة إما بقبة حجرية كجامعي الأميرين عساف ومنذر. او بدعامات تحمل عقوداً مدببة بحيث تبدو كقبو بهيئة قبة كمساجد المصيطبة ودار المريسة والبسطتين وبرج ابي حيدر.
سنشير الى قبتي ابن عراق والمجيدية في بحث قباب الزوايا.
*محامٍ ومؤرخ






